Category: وثائق

في بلاد الرئيس … الحياة اللندنية

http://www.alhayat.com/article/953302

… في بلاد الرئيس

فيصل جلول |

> الاستقبال الفظيع في مطار الرئيس لا يستحق العناية في نظر العسكري الأول الذي التقيته من بين عسكريي مجلس قيادة الثورة، ولعله تمالك نفسه عندما لاحت على وجهه ابتسامة مقطوعة طواها بعبارة “ليس مهماً ما حصل معك. المهم انك هنا”!!

تمرين الأسئلة والأجوبة مع العقيد كان في غاية الصعوبة فهو “ثوري” لا يتحمل محاوراً حيادياً، لذا ما فتئ يعلق على كل سؤال بالقول: “انت مع من؟ ما رأيك أنت، هذا ما يقوله أعداؤنا؟”، ولعله استنتج في سره في خاتمة اللقاء أن استقبالي الفظيع في المطار كان له ما يبرره، وعليه، صرفنا من مكتبه وهو مكفهّر الوجه. فظننت أن الأمور لن تنتهي على خير، وأن للخوف جمهورية في هذا البلد، لا تظهر كما يجب أن تظهر في الخارج، وان احتراف الترهيب فيها ليس استثناء أو سوء تفاهم كالذي مرّ بالأمس.

في شوارع العاصمة العربية الافريقية البديعة، يسير الناس ببطء شديد يُشبه ما قال المتنبي في وصف مشية الأسد وتربصه “… كأنه آسٍ يجسُّ عليلا”. فحرارة الشمس الرهيبة في هذا المكان تسقط عمودياً على الرؤوس وتثقل الحركة في الأطراف ولا يستعيد الناس خفة حركتهم وسرعتها إلا في ساعات الغروب وما بعدها. وعندما يتظاهر السكان، كما شاهدتُ في ذلك اليوم، يمشون بهدوء تظن معه أنهم يتنقلون على رؤوس أصابعهم فيما أيديهم الطويلة والنحيلة تلوح إلى الأمام وإلى الوراء بطريقة تظهر معها أنها ستنفصل عن الأجساد أو ترتبط بها بخيط رفيع. لكن هنا فاتهم في تلك التظاهرة كانت تعكس الكثير من العنف المستبطن والحقد المتراكم على جارهم العربي الكبير، وبما أن المتظاهرين الآلاف تجمعوا لتأييد العراق خلال أزمة الخليج الثانية، فإنهم طلبوا من الرئيس العراقي أن يشفي غليلهم وأن يثأر لهم من جارهم، إذ قالوا بصوت هادر: “أضرب. اضرب يا صدام … يا صدام”. في تلك اللحظة شعرت بأن الجنون إذا ما توفرت له قيادة مناسبة يمكن أن يحرق الأرض وما عليها وأن الحريق لا يطول الامبريالية وإسرائيل وإنما يبدأ في المحيط ويبقى فيه.

جنون الصباح والظهيرة سيقابله مساء، ضرب من الشجاعة المجنونة. فقد قررت أن أزور سيدة معارضة في منزلها ومارستُ كل أنواع الضغوط الظريفة على العاقل الوحيد في هذه المدينة، كي يرافقني إلى حيث تقيم، فعلق المحبوب قائلاً: “… ولمَ لا؟! فنحن ديموقراطيون وإلا كيف يبقى معارضون في البلاد”. كنا مساء نطرق باب منزلها مع حسن الذي يعمل في صحيفة ناطقة بالانكليزية.

استقبلتنا السيدة بتهذيب استغرق دقائق وحرصت على أن نجلس في باحة المنزل ثم سألتني عن السبب الذي يجعلني أرافق ممثلين لنظام ديكتاتوري. بدا سؤالها استفزازياً لكن صيغته محببة وتفصح عن معرفة حميمة بالشابين. وإذ رفض حسن ادعاء تمثيل النظام، بدا على المحبوب، حرج هائل، فأطلق عبارتين بلهجة محلية ينمان عن رفض مزدوج لصفة الديكتاتورية عن نفسه وهي لا تليق به فعلاً، وعن الثورة التي يمثلها.

بدت السيدة المعارضة وكأنها تنتظر مثل هذه الفرصة بفارغ الصبر، ثم أطلقت العنان لصوتها الذي ارتفع حتى وصل إلى الشوارع المحاذية للمنزل، وتراءى لي أنها تريد أن يسمع الرئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة عباراتها اللاذعة وأوصافها النارية للحكم والحاكمين. ولعلها اعتقدت أن وجودي في المكان حصانة لها، غير أن مصدر الحصانة سيضطر لقاء “ليلة بيضاء” أخرى على ما يقول الفرنسيون، وسيتخيل لساعات نوع التفكير العبثي لأهل الحكم الذين لا يميزون بين الصحافي وموضوع اتصالاته، وسيتخيل شكل وهوية مقتحمي غرفته وسيل من الأسئلة عن التواطؤ مع السيدة المعارضة وجماعتها، ولن يرتاح من ضغط الهواجس إلا عندما يغلبه نعاس اجباري ثقيل في ساعات الفجر الأولى. عندما اكتشفت أن أحداً لم يتعرض لها بعد شتائم الأمس، رغبت السيدة المعارضة أن تستفيد من وجودي في عاصمة بلادها إلى أقصى حد، مرة كدرع بشري معنوي، وأخرى كوسيلة لنقل رسالة سرية لرفاقها في الخارج، فجاءتني إلى الفندق مع نجلها وخاطبتني قائلة: “… أنت لا يفتشونك عندما ستخرج من المطار، فهل تنقل لي رسالة مهمة معك؟”. وماذا لو فتشوني؟ تدعي بأن شخصاً لا تعرفه وضعها باسمك في الفندق فأنت أجنبي ثم “يمكنك أن تخبئها في مكان سري ذلك ان جماعتنا غير محترفين ويمكن خداعهم”. لم أفصح عن هول الاقتراح الذي تقدمت به، ولا أدري كيف ومن أين جاءتني القدرة على ضبط انفعالاتي. ثم رويت لها ما حل بيّ وتفاصيل دقيقة عن الاستقبال الفظيع الذي جرى لي في المطار، واجتهدت في اقناعها بأنني معّرض للتفتيش والمساءلة كأي شخص آخر وربما أكثر من أي مواطن عادي، فاستبدلت حديث الرسالة السرية، برسالة عادية لقريب لها في باريس. وافقت على مضض وحملت الرسالة إلى غرفتي وفي ظني أنها رسالة “مفخخة” لا أدري كيف ومتى تنفجر، وقررت في كل الحالات ان انفجارها أفضل بكثير من فتحها والاطلاع على مضمونها وان الخوف يجب ألا يحولني إلى لص تافه يعبث بخطاب شخصي.

في المساء كان مشهد الناس المحتشدين في باحة الفندق الذي بنته دولة اشتراكية في عهد نظام سابق موالٍ للكتلة السوفياتية، كان مشهداً يبعث على اليأس والقلق. عشرات الناس ينتظرون دورهم للحصول على مكالمة هاتفية مع قريب في الخارج. فالثورة عندما حلت قبل عام في هذا البلد فشلت في إدارة الاتصالات الدولية وفي تحمل أكلافها، وعليه لم يجد المواطنون بداً من الاستعانة بخطوط هاتف محدودة، وخاضعة للرقابة “الثورية” من بينهم شخصيات سابقة ومهمة في الدولة، وزير ومدير ونائب وزير وأستاذ جامعي وغيرهم. وكان للمتحدثين أسباب كثيرة للشعور بالاهانة، ليس فقط بفعل الانتظار ساعات للحصول على مكالمة هاتفية لدقائق، وإنما أيضاً لاضطرارهم التكلم بصوت مرتفع على مسمع المحتشدين في القاعة.

في جناح الفندق، وهرباً من الاحساس بالضيق والاختناق، استبحرتُ بالتلفزيون الثوري، فكان مشهد آخر للعدم. حلقة ذلك المساء كانت تدور حول التباري الشعري. شبّان تطلب منهم هيئة من المحكمين الكبار السن، استعادة ابيات شعرية قديمة كانوا يرددونها انطلاقاً من القوافي خلال ما يقارب الساعتين، لينتهي الأمر بفائز أثنى على ذاكرته المحكمون، وسط ديكور رديء وطريقة في التصوير والتقديم لا تقل رداءة. هل يحظى كل هذا العدم بجمهور من المشاهدين، وهل يمكن لثورة تنتج كل هذه الضحالة أن تعيش وتدوم فعلاً؟ لم أرَ، ولم أقرأ، ولم أعرف ثورة واحدة لا تعبأ بالحلم والاحلام قدر هذه الثورة… قلت حينذاك ان الشيء الوحيد الذي يسمح بانبثاق هذا العدم، هو وجود عدم آخر قبله!!

في اليوم التالي كنا في حضرة المرشد الروحي للثورة، الذي كان يعيش قيد الاقامة الجبرية، لكنه يلتقي من يريد وساعة يريد، وهذه المفارقة ليست الوحيدة التي تصدم زائر هذا البلد. الرجل النحيل والرشيق، يتمتع بذكاء رهيب، وعلى قدر هائل من الاحتراف السياسي. يمتلك معرفة متنوعة المصادر. لا ينظر في عينيك عندما يخاطبك وتشعر أنه يعرف كل اسئلتك، وأنه يمارس تمريناً سهلاً في الاجابة ينم عن خبرة طويلة في استخدام وسائل التعبير. وأحياناً تعتقد أنه يقول كلاماً كنت تود ذات يوم أن تقوله. وينتهي الأمر بأن تستسلم تماماً عندما تخرج من منزله وأنت تتساءل عما إذا كانت هذه العبقرية الحقيقية نتيجة أم سبباً لكل هذا الفراغ السائد في المكان.

قبل الغروب اتصل بيّ حسن، الذي كان يدرك مدى الانقباض الذي يتملكني، وأكد لي أنني سأكون ضيفاً في حفلة خاصة هذه الليلة، وبعد أقل من ثلاث ساعات كنّا على شرفة منزل بورجوازي، نشرب عصيراً محلياً ونستمع إلى فرقة موسيقية تعزف ألحاناً محلية وغربية صاخبة، وكان بين المدعوين ديبلوماسي أميركي ترافقه زوجته التي حاولت أن تتحدث إليّ بوصفي الغريب الوحيد بين الحضور. فشعرت بارتياب أكبر عندما انضم زوجها إلينا، خصوصاً عندما سألني عن موقفي من أزمة الخليج الثانية. في هذه اللحظة تراءى لي أن الثوريين الذين يتجمعون في المكان سيكون لديهم موضوع ينقلونه إلى رؤسائهم وأن هذا الموضوع التافه عن محادثة بين صحافي وديبلوماسي أميركي يرمز إلى الامبريالية قد يكون موضوع الساعة في مكان يعمه الفراغ المخيف… وتخيلت مرة أخرى ان متاعبي لن تنتهي قريباً وأن هذه الفسحة البورجوازية الممتعة ضاعت تماماً بفعل صدفة غريبة وانني كنت احتاج إلى شيء آخر غير القبول الاجباري الذي تحتمه اللياقة، بالاستماع إلى أقوال وعبارات ممثل الامبريالية الرسمي في بلد يحمل يومياً على الامبريالية… سامحك الله يا حسن، قلت لمرافقي. ألم يكن بوسعك اختيار مكان آخر لا يرتاده ديبلوماسيون أميركيون. قهقه حسن بصوت عالٍ ثم واصل القهقهة حتى باحة الفندق فودعني متمنياً لي نوماً هادئاً وممتعاً!!

عندما قررت أن أغادر بلاد الرئيس، وحسمت أمري بصورة جدية، ضارباً عرض الحائط بالموعد المنتظر مع صاحب القصر، جاء أحد مساعديه بعد ظهر ذلك اليوم ليعتذر عن انشغال فخامته وعن كثر مواعيده واضطراره للسفر المفاجئ إلى إحدى المحافظات. واعتذر عن الاستقبال الفظيع الذي تم في المطار، وتمنى عليه أن أزور بلاده في مناسبة أخرى، وفي ظروف أفضل وأن دعوتي مفتوحة ابتداء من هذه اللحظة. في اليوم التالي كنت في طريقي إلى مطار الرئيس وكنت استمع إلى عبارات حسن الذي طمأنني بأنه سيرافقني إلى الطائرة للحؤول دون وقوع “سوء تفاهم” وبالتالي توديعي بفظاعة كما استقبلت. غير أن الفظاعة كانت حاضرة أيضاً خلال المغادرة، بشخص المسؤول الأمني نفسه، الذي صافحني بحرارة مصطنعة مخاطباً حسن: “… لقد أتعبنا صاحبك وغلبنا. لكننا الآن نرحب به ساعة يشاء فبلادنا بلاده”، ثم توجه إليّ قائلاً: “… المعذرة يا استاذ”، فاكتفيت بحواب بارد وفضلت كتم مشاعري الحقيقية.

في الطائرة التابعة لشركة طيران عربية، شعرت برغبة دفينة بالاستسلام للنوم، وانتظرت الاقلاع الذي ترافق مع سقوط عازل داخلي في المؤخرة وعلى مقربة من مقعدي. لم يثر سقوطه الركاب القلائل في هذا القسم من الطائرة، وعندما عبّرت عن ذهولي، رد طاقم المضيفين بقهقهة عالية فهمت من خلالها أن ما حدث مألوف لديهم، وأن عليّ أن لا استعجل في طلب الراحة والنوم، وأن الاطمئنان الحقيقي لن يتم إلا في الطائرة المقبلة التي سأستقلها في مطار الدولة العربية المجاورة باتجاه باريس.

كان عليّ في هذا المطار الجديد أن اتحمل نتائج زيارتي لبلاد الرئيس، وأن أُمنع من الخروج من المطار، فالظروف المتوترة خلال أزمة الخليج استدعت اجراءات استثنائية مفاجئة قضت بأن أمضي ليلتي في فندق قاعة الترانزيت، وأن أكون شاهداً على حوار عدائي بين نادل المطعم ونزيل ينتمي إلى ما سيصبح في ما بعد “دول الضد”. فقد لقنه “النادل” درساً في التحضر وآداب المائدة لأنه طلب “بصلة” واستنتج ان النزيل متخلف كرئيس بلاده وأنه ينتمي إلى شعب منحط، فرضح النزيل ولاحت على وجهه علامات “التوعد”، واندلعت الحرب بعد أقل من ثلاثة أشهر فكانت في أحد وجوهها ضرباً من ضروب “التوعد” المتراكمة.

زرت بلاد الرئيس أكثر من مرة منذ ذلك التاريخ، وفي كل مرة كنت على موعد مع اشكال جديدة من الخوف والرعب وهو أمر لا ينطبق أبداً على أبناء هذه البلاد الهادئين والطيبين واللطفاء والذين يحتاجون إلى أشياء أخرى غير قصر الاشباح وصبحة فرانكشتاين.

أواخر عام 1990

حول قضية درايفوس في فرنسا ـ الحياة اللندنية

 

http://www.alhayat.com/article/945965

هل كانت هناك سابقة لقضية روجيه غارودي ؟ قضية الفريد درايفوس حين هزّت مثقفي فرنسا وأوروبا والرأي العام ايضاً

فيصل جلول |

> هل تشبه قضية الضابط الفرنسي اليهودي الأصل، الفريد دريفوس قضية الكاتب روجيه غارودي على ما يُردد بعض المتضامنين العرب مع صاحب “الأساطير التأسيسية للسياسة الاسرائيلية”؟ هل تسببت قضية دريفوس في نشوء اسرائيل على ما يروي عدد من الكتّاب في العالم؟ هل تخابر دريفوس فعلاً مع “العدو” الألماني؟ هل انحاز اليسار الى قضيته وعارضها اليمين على ما أكد مؤخراً رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان؟

ما زال بعض هذه الاسئلة يطرح في فرنسا بعد مرور قرن على القضية التي شغلت هذا البلد وأوروبا على مدار سنوات طويلة، ويبدو انها ما انفكت قادرة على لفت الانظار والتدخل في المقارنات مع احداث راهنة آخرها محاكمة روجيه غارودي؟!

واذا كان صحيحاً ان قضية دريفوس استخدمت على نطاق واسع، كمادة دعاوية في أدبيات الحركة الصهيونية، لتبرير استيطان فلسطين وتأسيس دولة اسرائيل، فالصحيح ايضاً ان الصهيونية نشأت قبل هذه القضية وقبل كتاب “الدولة اليهودية” الذي وضعه تيودور هرتزل عام 1896، وعلى اثر ادانة دريفوس. ففي أوديسا كان ابناء صهيون يشكلون نادياً معروفاً عام 1882 ويتحدثون عن الوطن القومي، وقبلهم كان كثيرون يتداولون فكرة الوطن القومي اليهودي.

والراهن ان بعض اليهود الفرنسيين انحاز الى الحركة الصهيونية مدفوعاً بتفاقم ظاهرة العداء للسامية في ذلك الحين، ومن بينهم الكاتب والصحافي المعروف برنار لازار الذي كان من اوائل المدافعين عن دريفوس، وترأس في ما بعد تحرير صحيفة “صهيون”. لكن المؤكد ان قسماً كبيراً من اليهود الفرنسيين لم يتقبل الدعوة الصهيونية ولم يتأثر بها. ومن بين هؤلاء دريفوس نفسه الذي رفض استقبال وفد صهيوني بعد اطلاق سراحه ورفض مباركة الدعوة الصهيونية.

هذا الرفض حمل تيودور هرتزل، الصحافي النمسوي الذي كان يعمل مراسلاً في باريس، وشارك في تغطية وقائع محاكمة دريفوس، حمله على القول ان اليهود الفرنسيين وطنيون اكثر من كونهم يهوداً، لكن ذلك لم يردعه عن استخدام قضيتهم في الدعاية للمشروع الصهيوني، وبالتالي لتحويل مأساة دريفوس الى فعلٍ تأسيسي للدولة الصهيونية.

واذا كان لا بد من المقارنة بين هذه الظاهرة، وبين ظواهر اخرى عربية، فإن القياس الذي يفرض نفسه، يتصل بحالة اليهود في العالم العربي في ذلك الحين وحالتهم في اوروبا. فهم كانوا عرضة للاضطهاد العنصري والديني في القارة العجوز، في حين كانوا مندمجين في النخبة العربية الخارجة من رحم السلطة العثمانية.

اما المقارنة بين دريفوس وغارودي فإنها لا تقوم على أساس منطقي وتثير السخرية. ففي حين كان الأول ضحية لآلة القضاء العسكرية وضحية لتيار العداء للسامية ولا يتمتع بأية ضمانة قضائية للدفاع عن نفسه، نرى ان الثاني يتمتع بكل الضمانات ولم يلفق احد تهمة ضده ولم يتعرض للأضطهاد الا اذا اعتبرنا امتناع الصحف عن نشر دعاويه فعل اضطهاد. ومقارنة القضيتين أشبه، بنظرنا، بمقارنة المأساة بالملهاة.

وقبل الحديث عن تفاصيل قضية دريفوس، لا بد من الاشارة، الى العناوين الرئيسية للظروف التي أحاطت بهذه القضية أواخر القرن التاسع عشر. ففي ذلك الحين كانت فرنسا تعاني بقوة من مشاعر الاهانة الناتجة عن هزيمتها في الحرب مع المانيا عام 1870 وخسارتها الالزاس واللورين في هذه الحرب. وكانت الجمهورية الثالثة السائدة في ذلك الحين تتعرض للانتقادات وتستهدفها قوى كثيرة كانت تخطط لقلبها ولن يتحقق ذلك الا بعد الحرب العالمية الأولى. اما اليهود الذين منحتهم ثورة 1789 البورجوازية حق المساواة، فانهم كانوا ما زالوا يعملون على اكتساب هذا الحق في ظل قرن شديد الاضطراب والتقلبات.

وكان الفريد دريفوس يرمز الى العناوين السابقة فهو يهودي الأصل وبورجوازي في الآن معاً وعليه لم يكن الشارع مهيئاً للتعاطف معه بسبب دينه وموقعه الطبقي. وكان ايضاً ينتمي الى مقاطعة الألزاس، مصدر احساس الفرنسيين بالاهانة، بسبب سقوطها بيد الألمان من جهة، ولأنها مع اللورين، تنتمي الى الفضاء الالماني، هنا ايضاً لم يكن الشارع الفرنسي مهيئاً للتعاطف مع الرجل بسبب مسقط رأسه، فكيف اذا كانت جريمته متصلة بالتخابر مع العدو الالماني وهو عدو تاريخي للفرنسيين. واخيراً استخدم البعض قضيته لضرب الجمهورية الثالثة.

وتبقى الاشارة الى موقع دريفوس في أعلى سلطة عسكرية في فرنسا، فهو أول ضابط يهودي يصل الى هيئة الأركان، أي الى قمة السلطة في الجيش الوطني الذي يتطلع الفرنسيون نحوه للثأر من هزيمتهم العسكرية في العام 1870، فاذا بأول ضابط يهودي رفيع المستوى يرتكب فعل خيانة مقترفة في هذا الصرح الذي تقدسه العامة، وبالتالي يعيد هواجس الجميع تجاه اليهود، الى نقطة الصفر. ولعل اجتماع كل هذه الظروف دفعة واحدة كان كفيلاً بصم الآذان حول أي حديث عن براءة دريفوس حتى لو كان هذا الحديث مدججاً بالحجج الدامغة وحتى لو ظهر المتهم الأصلي بالخيانة كما حصل في ما بعد وكما حاول ان يوضح اميل زولا في مقالته الشهيرة: “إني اتهم!”.

بدأ الفصل الأول من هذه القضية في 27 ايلول سبتمبر عام 1894م عندما تلقى وزير الدفاع الفرنسي، الجنرال مرسييه وثيقة سرية من قسم مكافحة التجسس في وزارته، حملتها السيدة “باستيان” التي تعمل خادمة في السفارة الالمانية في باريس، وتنتظم في المخابرات العسكرية تحت اسم “اوغست”. وقد تعودت الخادمة ان تنقل الى مسؤولها المباشر، الضابط هنري، أوراقاً وقصاصات ورق عثرت عليها في السفارة. وكانت الأوراق الأكثر اهمية تأتي من سلة المهملات التابعة للملحق العسكري الألماني مكسيميليان فون شوارزكوبن وهو ضابط مغامر وغير حريص. كان يهتم بعلاقاته الغرامية النسائية والذكورية اكثر من اهتمامه بالشؤون العسكرية، وكان يحب ارتياد صالات القمار اكثر من أي شيء آخر.

اما الوثيقة التي حملتها الخادمة، فستعرف منذ تلك اللحظة باسم “اللائحة” لأنها تتضمن سلسلة من المعلومات المرقمة من 1 الى 5 وتتحدث عن مدفع من عيار 120ملم وعن تشكيلات سلاح المدفعية، وعن الانتشار العسكري الفرنسي في مدغشقر… الخ. واللائحة مكتوبة بخط ضابط فرنسي. ونقلت الخادمة ايضاً رسالة من شوارزكوبن الى الضابط نفسه، يطلب فيها مزيداً من التفاصيل والايضاحات حول ما ورد في اللائحة، وسيتضح في ما بعد ان المعلومات غير خطيرة ولا قيمة كبيرة لها وان اهم ما فيها هو فعل الخيانة نفسه.

وفور استلامه المحتويات عمد الضابط هنري الى التركيز على اللائحة واعاد تجميع قطعها الممزقة وذهل عندما قرأ مضمونها وبادر فوراً الى تسليمها للجنرال غونز نائب رئيس الأركان الذي نقلها الى الجنرال دوبواديفر رئيس الأركان وهذا الأخير حملها الى وزير الدفاع الجنرال مرسييه.

طلب مرسييه الالتزام بالصمت وبالبحث عن الخائن من دون ضجيج عبر الاستعانة بخبراء في الخطوط لمقارنة مضمون اللائحة بخطوط الضباط الكبار في رئاسة الأركان، خصوصاً اولئك الذين يطلعون عادة على الملفات السرية لكن البحث لم يفضِ الى نتيجة ما حمل هيئة الأركان على البحث عن الخائن في ادارات الوزارة انطلاقاً من شكوك عامة. ووقع الاختيار على 4 ضباط بينهم الفريد دريفوس، الذي سرعان ما استأثر باهتمام المحققين من دون غيره من المشكوك فيهم.

وكان المتهم يتمتع بكل المواصفات التي تثير الريبة. فهو يهودي ويعرف لغات عدة والزاسي وذكي وخجول ومثابر وطموح ويمتاز بحب الاطلاع والفضول ويعمل منذ عام كمتدرب في هيئة الاركان وكان اليهودي الأول الذي يصل الى هذه المرتبة. وأهمل المحققون صفات اخرى مضادة لا تدفع الى الخيانة، من بينها ان المتهم ثري ومتزوج من لوسي هادامار وهي جميلة وصغيرة السن وابنة تاجر الماس يهودي، ودريفوس متفوق في الكلية الحربية حيث تخرج بمرتبة جيد جداً ويتمتع باحترام رفاقه ومرؤوسيه، لكن كل هذه الايجابيات لم تستأثر باهتمام خاص لدى المحققين الذين تبين انهم يريدون ضحية اكثر من اي شيء آخر.

ومنذ تمحورت الشكوك حول دريفوس، طلب وزير الدفاع اجراء تحقيق شخصي لمعرفة دوافع المتهم المفترضة للخيانة مالية – نسائية… الخ وتبين من خلال التحقيق ان الضابط متعدد العلاقات الغرامية ويتردد على صالات القمار، ما يعني انه بحاجة الى تغطية نفقات غرامياته وهوايته. وسيتضح في ما بعد ان دريفوس لا يرتاد الصالات المذكورة بشهادة مدير الشرطة التي تشرف على نوادي القمار وتعرف مرتاديها. وسيعترف درايفوس بتعدد علاقاته الغرامية لكن قبل الزواج ولن يأتي المحققون باثباتات دامغة حول خياناته الزوجية المفترضة.

لم يكتفِ وزير الدفاع بهذا التقرير وطلب براهين اضافية تكفّل المقدم دوباتي دوكلام بالحصول عليها، غير ان دوكلام معروف بحبه للروايات الخيالية ويهوى التنويم المغناطيسي ومحادثة الارواح، فضلاً عن قرابته العائلية مع رئيس الأركان الجنرال دو بواديفر، لذا كان حريصاً على تأكيد خيانة دريفوس بأي ثمن، وعليه استعان بخبيرين للخطوط لمقارنة مضمون اللائحة مع نصٍ أملاه على المتهم. نفى الخبير الأول الفريد غوبيه وجود تشابه بين الخطين. وأكد الخبير الثاني الفونس بيرتيون العكس. لكن شهادة بيرتيون قابلة للطعن اخلاقياً، لأنه معروف بعدائه للسامية وهذا العداء لا يقع تحت طائلة القانون في حينه.

لم ينتظر دوباتي دوكلام وصول تقرير بيرتيون في 13 تشرين الأول اكتوبر عام 1894، وبادر الى اعتقال دريفوس في 12 منه، ومنع عنه الاتصالات بالخارج لمدة 15 يوماً ولم يخبره بالتهمة الموجهة اليه الا في اليوم الخامس عشر. وحضر الى غرفته في الصباح وقرأ عليه نص الاتهام بالتخابر مع العدو الألماني، ودس مسدساً على طاولة امامه، عله يبادر الى الانتحار تكفيراً عن خيانته، غير ان دريفوس لم يكن مستعداً للانتحار من اجل جريمة لم يرتكبها، وشعر بنهاية الكابوس الذي عاشه خلال فترة التوقيف، وبقدرته على نفي التهمة أمام المحكمة العسكرية.

ولكي تتم محاكمة المتهم امام “مجلس عسكري” كان يتوجب الحصول على موافقة الرئيس كازيمير برسييه، فتولى وزير الدفاع هذه المهمة واصطحب معه خبير الخطوط الفونس بيرتيون، الذي لم يتوصل الى اقناع الرئيس بالتهمة الموجهة لدريفوس، لا بل اعتبره مجنوناً. وعلى الرغم من ذلك وقع قراراً بتنظيم المحاكمة، لأنه كان يائساً من السلطة وهو سيستقيل بعد اسبوعين من ادانة دريفوس.

انتبه العسكريون، عشية المحاكمة، الى ان بيريتون ليس خبيراً محلفاً لدى المحاكم، فاستدعوا على جناح السرعة ثلاثة خبراء محلفين هم بيلليتيه وتيزونيير وشارافاي واختلف هؤلاء ايضاً في ما بينهم فأكد الأول ان المتهم بريء، واعتبره الآخران مذنباً، ومرة اخرى لم تعبأ هيئة الاركان بهذا الاختلاف، فهي كانت ترغب في تصفية القضية بسرعة.

ولكي تعوّض عن نقص الأدلة في محضر الاتهام، عمدت هيئة الأركان لهذه الغاية بوسائل الاعلام، التي حملت على الضابط اليهودي الخائن وواصلت حملتها بعد ادانته. ونشرت الصحف مقالات لادباء ومفكرين كبار من ضمنهم الفونس دوديه الذي أكد: اذا كان دريفوس قد باع وطنه فقط من اجل توظيف اموال بفائدة 3$ فهو يثبت انه يهودي حقاً. وقال ادوار ريمون، الذي كانت شهرته توازي شهرة اميل زولا، لكنه كان معادياً للسامية وافكاره صريحة في كتاب “فرنسا اليهودية”، قال في مانشيت عريض في صحيفة الكلمة الحرة: يهودي يرتكب خيانة عظمى. ثم نشر احصاءات حول اليهود المرشحين للخيانة في الجامعات والصحف ووظائف الدولة وطالب بحملة تطهير شاملة من اليهود في كل المؤسسات. واعتبر انه يوجد يهودي حتماً، خلف كل عمل رذيل. ووصل الأمر بجورج كليمنصو الى تجريد دريفوس من كل احساس انساني وحيواني معاً سيغير موقفه في ما بعد وانتشرت ملصقات في الشوارع تدعو الى قتل اليهود.

سيتبين في ما بعد ان القضاة العسكريين، سخروا من كل الادلة التي تشير الى براءة المتهم، والتي وردت في مطالعة محاميه الدفاعية. ولم يتمكن المحامي ديمانج وهو يميني متصلب لكنه متمسك باحترام القوانين، لم يتمكن من اقناع المحكمة بخلو ملف الاتهام من الادلة الجرمية وبضعف الدليل الوحيد المتمثل باللائحة نظراً لاختلاف الخبراء حولها، وبغياب الدوافع لدى المتهم فغناه وغنى زوجته يعصم عن الخيانة بسبب المال، لكن احداً لم يكن مستعداً للنظر في هذه المبررات. وبدا ان العسكريين يريدون الانتقام من خائن مفترض بغض النظر عما اذا كان قد ارتكب فعل خيانة ام لم يرتكب.

لم يتصرف دريفوس بحقد تجاه الحملات التي طاولته وعلق عليها بقوله: “الشعور الشعبي تجاهي شعور نبيل، لأنه يستند الى ظن بانني خائن ويجب الا ننتظر من الشعب ان يتفهم فعل الخيانة”. اما في باحة الكلية الحربية، فانه هتف، اثناء تكسير سيفه وتجريده من رتبه: تحيا فرنسا. يحيا الجيش. وسيقول بعد سنوات انه لم يكن يشك يوماً “في عدالة بلدي”.

لم يكن أحد مقتنعاً ببراءة دريفوس، في هذه المرحلة من قضيته، سوى شقيقه ماتيو وزوجته لوسي ومحاميه ديمانج. اما اميل زولا الذي سيتدخل في هذه القضية بعد 3 سنوات وسيكتب مقالته الشهيرة: “اني اتهم”. فقد علق على هذه القضية بقوله: المهم في الموضوع ان المتهم اعترف بجريمته واجمع القضاة على ادانته و”لا يمكن ان يخطئوا كلهم”. وبدا انه لم يكن على علم بالتفاصيل. ناهيك عن انه كان منشغلاً في حينه بمحاولة الدخول الى الاكاديمية الفرنسية لكن مساعيه لم تكلل بالنجاح.

وابتعد اليهود انفسهم عن قضية دريفوس في هذه المرحلة واعتبروا ان المحكمة العسكرية لا يمكن ان تخطئ وان اقترابهم من يهودي خائن يعزز ظاهرة العداء للسامية. وامتنعت المنظمات الرسمية اليهودية عن اثارة الموضوع لأنها تتلقى مساعدات من الدولة. ولم تعبأ البورجوازية اليهودية بمصيره فهي كانت مهتمة بالدفاع عن مصالحها أولاً وباثبات اخلاصها للوطن الفرنسي. اما المثقفون اليهود الكبار فانهم اتخذوا موقفاً دفاعياً ضد العداء للسامية وفصل القضية عن اليهود. وبرر الكاتب برنار لازار عدم تدخله بالقول: “أهل دريفوس اغنياء ولا يحتاجون لمساعدتي وأخوه الثري سيتدبر أمره في الدفاع عنه”.

وما يلفت الانتباه في هذه المرحلة من القضية، هو النفي الصادر عن الملحق العسكري الألماني الذي اعتبر ان “اللائحة” ملفقة وانها لم تمر عليه، وتخيل ان يكون احد العملاء قد دسها في علبة بريد السفارة، وانتشلها عميل آخر ثم سربها الى المخابرات الفرنسية. كما نفى ان يكون على معرفة بدريفوس، لكن احداً لم يصدقه واعتبر الجميع ان أقواله تهدف الى حماية المتهم وان دوره الطبيعي يقضي بذلك.

سيبدأ الفصل الثاني من القضية في آذار مارس عام 1896، ومن قلب هيئة الأركان نفسها، ففي هذا الوقت عُيّن العقيد جورج بيكار، الذي مثل الجيش في محاكمة دريفوس، رئيساً لجهاز مكافحة التجسس المخابرات الخارجية خلفاً للعقيد جورج ساندير، وكان بيكار مشهوراً بعدائه للسامية لكنه شريف ومخلص للقوانين وللجيش.

طلب بيكار من خبير الخط تفحص “اللائحة” ومقارنتها بنصٍ كتبه استيرازي، من دون اشارة الى اسمه، وهنا جزم بيرتيون بتشابه الخطين وقدم تقريراً مكتوباً وفي ظنه ان الأمر يتصل بدريفوس. واستنتج بيكار فوراً ان استيرازي هو العميل الحقيقي وأن دريفوس بريء من التهمة وأنه يقضي عقوبة السجن والنفي ظلماً. وسارع الى اطلاع رؤوسائه على التفاصيل، لكن هؤلاء لم يهتموا بالأمر، وكي يضعوا حداً لأي تسربٍ من طرفه، اتخذوا قراراً بنقله الى الخارج وظلوا يبعدونه حتى وصل الى الجنوب التونسي. والراجح ان العسكريين كانوا يخشون من ان تنهار سمعتهم إذا ما تبين انهم ادانوا خطأ الفريد دريفوس لذا فضلوا كتم القضية والتستر على عمالة استيرازي.

مقارنة بدريفوس، كان الكونت شارل استيرازي يتمتع بمواصفات افتراضية للعميل النموذجي. فهو يعيش على حساب عشيقاته بعد ان بدد “دوتا” زوجته ويرتاد صالات القمار ويقيم علاقات وثيقة مع عاهرة شهيرة ويعاني من مرض السكري والأعصاب ولديه وساوس بأن العالم كله يراقبه، والأهم من ذلك انه كان ينوء بأثقال الديون. وفي تموز يوليو عام 1894 هدد دائنوه بملاحقته قضائياً، فعرض خدماته على الملحق العسكري الالماني لقاء مبالغ مالية تتيح له تجنب الفضيحة.

في العام 1897، قرر بيكار العودة من منفاه، باجازة رسمية، وصمم على نقل السر الى صديقه المحامي لوبلوا، وكتب وصية ختمها بالشمع الأحمر، مع ملاحظة تقول بضرورة نقلها الى رئيس الجمهورية في حال وفاته. وحرص على ان يكتم صديقه خبر عمالة استيرازي وبراءة دريفوس، وأن يتصرف بالسر في ما بعد في حال تعرض بيكار للخطر، غير ان لوبلوا لم يعمل بهذه الوصية، وقصد عمه شيرير كتنير نائب رئيس مجلس الشيوخ وأخبره بالتفاصيل، فما كان من هذا الأخير إلا التوجه نحو القصر الجمهوري وابلاغ الرئيس.

في هذا الوقت تلقى ماثيو دريفوس معلومات من أحد المتمولين تفيد بأن استيرازي هو الذي كتب “اللائحة” بخط يده، وأنه يعرف ذلك لأن المعني بالأمر كان زبوناً عنده. بادر ماثيو على الفور الى طبع مئات الملصقات التي تتضمن نص اللائحة ووزعها في الشوارع واستعان بلجنة دولية ووطنية من خبراء الخطوط الذين برهنوا ان خط اللائحة هو نفسه خط استيرازي وليس خط دريفوس. وبعد ذلك تقدم بدعوى قضائية ضده، في وقت كان شيرير كتنير يثير الفضيحة علناً في مجلس الشيوخ.

انقسم الشارع الفرنسي غداة انتشار الفضيحة بين أقلية تطالب ببراءة دريفوس، وأكثرية تتحدث عن مؤامرة يهودية ضد الجيش، عنوانها التهجم على استيرازي الذي تحول الى بطلٍ قومي. وظلّ كبار المثقفين والصحافيين الذين يوجهون الرأي العام، معارضين لاعادة المحاكمة وحريصين على سمعة الجيش، ومن ضمنهم أسماء ستصبح دريفوسية في ما بعد، مثل اناتول فرانس وجورج كليمنصو وجان جوريس وأميل زولا نفسه مع فارق مهم هو ان زولا أخذ يهتم أكثر بحالة استيرازي ويجمع معلومات حوله على طريقة التحقيقات التي يجريها في أعماله الأدبية.

وكان أنصار دريفوس يحتاجون الى كاتب كبير يدافع عن القضية وهالهم ان يبتعد المثقفون عنها على الرغم من عدالتها، وبما ان أميل زولا كان الكاتب الأهم في حينه، فقد بادر ماثيو دريفوس وشيرير كتنير الى زيارته والطلب منه كتابة شيء عن القضية، واعتبروا ان تدخله فيها سينقلها الى أوروبا نظراً لشهرته الأوروبية الواسعة. وزودّوه بالحجج والبراهين الدامغة التي تثبت براءة دريفوس.

ونفّذ زولا ما وعد به فكتب مقالاً دفاعياً عن نائب رئيس مجلس الشيوخ ومقالاً آخر ضد العداء للسامية بعنوان “رسالة الى الشبيبة”، ثم رسالة الى فرنسا وكان لهذه المقالات وقعاً هائلاً، وهي التي سمحت بانحياز مثقفين كبار الى القضية مثل مارسين بروست وليون بلوم وجان جوريس وجورج كليمنصو واناتول فرانس وآخرين. واعتبر هذا التدخل بمثابة منعطف كبير في قضية دريفوس، ويمكن التأكد من ذلك بالعودة الى الحملة العنيفة التي تعرض لها زولا للتو. فقد اعتبر مناهضو دريفوس ان اليهود اشتروا أميل زولا بـپ”2 مليون فرنك” فعلق على ذلك بقوله: “انهم يقدرونني كثيراً”. اما مغني الشانسونييه فقد قفزوا للتو على هذا الموضوع ونظموا ألحاناً ضد زولا يقول أحدها: “التقى يهودي ذات يوم بزولا/ قال له تعال ساعدنا يا ملعون/ لا تخش. سندفع لك أجراً جيداً/ عندها انفرج شوق زولا الملعون!”. ولم يقتصر الأمر على الشتائم فقد وصل الى البحث العرقي في أصول الأديب الفرنسي من أجل الطعن بوطنيته. ونقرأ ذلك في مقال كتبه جاك ملقيل الذي اعتبر ان “زولا نصف ايطالي وربع يوناني وربع فرنسي وأصله لاجداده مخلوط 4 مرات”. واعتبر كاتب آخر ان “رواياته اباحية” وثالث أكد على صلته بايطاليا وسماه “السنيور زولا” ورابع اعتبره موالياً لألمانيا وسمّاه “… الهر زولا”… الخ.

اما في الشارع فقد وصل العداء للسامية الى درجات قياسية وتدخل رجال الدين الكاثوليك في القضية فقال احدهم وكان معروفاً في حينه ويدعى “كروس”: “أريد ان أصنع من جلد اليهودي سجادة صغيرة أضعها أمام سريري لأدوسها صباحاً ومساءً” في حين كان رهبان آخرون يرفضون مثل هذه الحملات ويدافعون “… عن اخوتنا اليهود”.

لكن الحملات والحملات المضادة ستتفاقم وستنفجر على نطاق واسع اثر نشر مقالة “اني اتهم”، التي كتبها اميل زولا بعد صدور حكم ببراءة استيرازي عن محكمة عسكرية في باريس اتخذت قرارها خلال 3 دقائق، وختم زولا مقالته متحدياً الحكومة بتقديمه للمحاكمة 13 كانون الثاني/ يناير 1898. هذه المقالة اشعلت لهيباً كبيراً وأحدثت انقساماً عميقاً بين الفرنسيين الذين تحولوا كلهم الى مناهضين او مؤيدين لدريفوس. ووصف جان جوريس المقالة بـپ”… العمل الأكثر ثورية خلال هذا القرن”.

واعتبر خصومه انه وقّع قرار موته بيده. وصار البعض يطلب من أولاده ان يطلق اسم “زولا” على ارضية الفضلات “سطل الفضلات” والبعض الآخر يوزع ملصقات تقول: زولا كلب روتشيلد المتمول اليهودي الشهير وبعضها الآخر يطالب علناً بـپ”الموت لزولا”. وتفيد بعض الرويات ان عدداً من رجال الدين طلب من الزوجات عدم مضاجعة أزواجهن إذا كانوا من مؤيدي زولا ودريفوس. وفي النوادي والشوارع والحقول انتشرت المبارزات بالسيوف والمسدسات بين شخصيات من الطرفين: كمبارزة كليمنصو ودريمون بالمدسات. ومبارزة العقيد بيكار والعقيد هنري بالسيوف… الخ.

ووصلت أصداء هذا الانقسام الى أوروبا فكتبت صحيفة سويسرية تقول: “مسكينة فرنسا. يا لهذا التراجع الى الخلف”. وكتب ليون تولستوي معلقاً على مقالة زولا: “… لديه فكرة جميلة ونبيلة هي مناهضة التعصب القومي”. واعتبرت “التايمز”: “… ان جريمة زولا الحقيقية تكمن في تجرؤه على الدفاع عن الحقيقة والسلم الأهلي وعمله سيشرف كل الناس من ذوي النفوس الحرة”. وقالت صحيفة “ديلي ميل”: “… ان فرنسا خرجت من صف البلدان المتحضرة”. وتلقى الكاتب برقيات بالمئات من الخارج احداها من سيدة بريطانية عبرت عن حبها له ودعته الى الهرب واللجوء في أحضانها.

نجد ان ذلك كله لم يحل دون تعرض زولا للمحاكمة وصدور حكم ضده بالسجن لمدة سنة وبغرامة مقدارها 3 آلاف فرنك. وعلى الأثر نصحه كليمنصو بالتخفي والهرب الى بريطانيا حيث بقي هناك سنة كاملة ولم يعد الا بعد اعلان براءة دريفوس في العام 1899. ففي ذلك العام كتب رسالة أخرى الى رئيس الجمهورية بعنوان: “اني اتهمت” أعلن فيها عن عودته نهائىاً “… الى كتبي” وبالفعل ألف رواية “حقيقة” واستوحى أبطالها من قضية دريفوس. وفي 28 ايلول سبتمبر 1902 وجد زولا ميتاً أمام نافذة منزله واعتبر الأطباء ان الوفاة ناتجة عن اختناق بثاني أوكسيد الكربون، غير ان تحقيقات البوليس لم تؤد الى كشف الحقيقة حول الوفاة. وبعد ربع قرن نشرت احدى الصحف شهادة لشخصٍ أكد انه سد فوهة المدفأة في منزل زولا عمداً كي يموت اختناقاً، لكن أحداً لم يأخذ الشهادة مأخذ الجد.

من جهته حضر دريفوس الى منزل زولا فور علمه بوفاته وسهر على جثمانه ليلاً لكن زوجته الكسندرين رجته بألا يشارك في تشييعه في مدافن “مون مارتر” كي لا يثير حضوره الشغب والاضطراب أثناء الجنازة. وفي 4 حزيران يونيو 1908 نقلت رفاة زولا الى “البانتيون” حيث يرقد أبرز عظماء فرنسا.

اما دريفوس فقد أعيدت محاكمته بعد انتحار الضابط هنري واعترافه في رسالة الى زوجته، بتزوير بعض الوثائق لتوفير المزيد من الأدلة ضد دريفوس، لكن محكمة رين التي انعقدت بين 8 آب اغسطس و9 ايلول سبتمبر 1899، شهدت ضغوطاً كثيفة واعتداءات من ضمنها اطلاق النار على محامي دريفوس، وأصدرت حكماً ضده بالسجن 10 سنوات ومنحه الأسباب التخفيفية. وبدا الحكم غير منطقي، فالخائن لا يمنح أسباباً تخفيفية وإلا فليس خائناً. لذا تقدم بطلب لاعادة النظر في الحكم فانقسم اصدقاؤه بين مؤيد لمواصلة الدعوى ومطالب بعفو رئاسي وانتصر المطالبون بالعفو الذي صدر في 19 ايلول سبتمبر بحجة ان دريفوس مريض ولا يستطيع قضاء العقوبة بالسجن. وللخلاص من هذه القضية دفعة واحدة صدر عفو عام شمل كل الدعاوى والقرارات الصادرة عن المحاكم ضد دريفوس وضد استيرازي وكل الضباط الآخرين.

وفي العام 1906 أصدرت محكمة التمييز الباريسية قراراً باعادة الاعتبار اليه واسترجاع رتبته في الجيش ومنحه وسام جوقة الشرف. وفي العام 1907 طالب بالاستفادة من حقه بالتقاعد، ثم انزوى في منزله.

يوم نقل رفات زولا الى البانتيون، شارك دريفوس في المراسم، ولدى خروجه من القاعة أطلق عليه صحافي يميني متطرف النار وأصابه بيده، ومن بعد بريء الصحافي الأمر الذي حمل دريفوس على البقاء أكثر فأكثر خلف الأضواء.

صحيفة قطرية تتحدث عن تفاصيل فساد وارتباك وخسائر و هزيمة انصار هادي في اكثر من جبهة سعودية يمنية

http://arabi21.com/story/960026/%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-21-%D8%AA%D9%85%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%AA%D8%B9%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%A8%D9%85%D9%8A

 

لمن لايستطيع الدخول الى الصحيفة مباشرة  هذه تفاصيل المقال

يبحث اليمنيون عن إجابات حقيقية لتعثر قوات الجيش اليمني في محوري حرض وميدي الحدوديين مع السعودية، في ظل غموض يلف الانتكاسات المتكررة لقوات المنطقة العسكرية الخامسة المسؤولة عن إدارة العمليات الحربية في هاتين الجبهتين الاستراتيجيتين ضد المتمردين الحوثيين وكتائب الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح الموالية لهم.

مصادر قريبة من قيادة المنطقة، أماطت اللثام لـ”عربي21“، عن جانب من أسرار تعثر وتراجع الشرعية في حرض وميدي التابعتين لمحافظة حجة شمال البلاد التي تشترك بحدود برية وبحرية مع المملكة العربية السعودية، ودور القيادة الغارقة في وحل الفساد، وموقف التحالف العربي، لا سيما أن الجبهتين تحولتا إلى ميدان لاستنزاف القوة البشرية للقوات الحكومية لصالح الحوثيين وحلفائهم.

وقالت المصادر التي اشترطت عدم كشف هويتها لحساسية الموضوع لـ”عربي21“، إن ذاكرة المقاتلين من منتسبي الجيش الوطني في ميدي وحرض، تختزن أحداثا موجعة، كانت كلفتها أرواحهم بعدما زج بهم في معارك يغيب عنها تماما “التخطيط الاستراتيجي العسكري”، تسببت في سقوط مئات القتلى والجرحى دون تحقيق أي مكاسب على الأرض.

وأضافت أنه في تاريخ 18 تموز/ يوليو الماضي، اجتمع ضباط من قيادة المنطقة لوضع خطة للتقدم وتحرير حرض الحدودية مع عسير السعودية، كان الهدف من الخطة في الحقيقة ليست تحرير حرض بأكملها كما أشيع، بل إنه الوصول إلى “جمرك حرض القديم” والسيطرة عليه.

وعقب وضع الخطة بثلاثة أيام، وتحديدا في اليوم الحادي والعشرين من الشهر ذاته، وفقا للمصادر، فقد أعلنت قيادة المنطقة العسكرية الخامسة، إطلاق عملية واسعة لتحرير المدينة، في ثالث هجوم فاشل، لم يسفر عن تحقيق أي مكاسب نوعية، سوى السيطرة على منطقة الجمرك القديم.

وأشارت إلى أن الهجوم تم دون أي حسابات للكلفة البشرية للجنود، رغم خطورة مسرح العملية المليء بالألغام، ومع ذلك فقد بدأ الهجوم بلا كاسحات ألغام أو غطاء جوي لطيران التحالف العربي، وبـ”أفراد” من قوات المشاة الذين وقعوا في مصيدة ألغام الحوثيين المزروعة، وقناصيهم المتمركزين بالفنادق القريبة من جمرك حرض القديم.

ونقلت المصادر عن مدير عام مستشفى الملك فهد في جازان، اندهاشه من حجم الخسائر المأهولة في صفوف جيش الشرعية. ففي يوم 21 تموز/ يوليو ـ تاريخ انطلاق عملية استعادة حرض ـ استقبلت مستشفيات إمارة جازان 213 بين قتيل وجريح.

وبحسب المصادر، فإن الجيش خسر في هجوم سابق قرابة الـ70 قتيلا والـ15 جريحا، مع السيطرة على مساحة تقدر بـ”عشرات الأمتار” في حرض.. لافتا إلى أن حرض يحيط بها أكثر من 15 ألف لغم، وعلى أطرافها تتواجد قوات الشرعية دون أن تمتلك “كاسحة ألغام واحدة”.

المسرح العملياتي للمنطقة

وتعد المنطقة الخامسة، إحدى المناطق التابعة للجيش اليمني وتنتشر في محافظتي الحديدة وحجة (غرب وشمال البلاد) ومركز قيادتها  مدينة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين منذ أكثر من عام ونصف.
لكنها تدير عملياتها الحربية من الأجزاء الخاضعة لسيطرة الشرعية في مدينتي ميدي وحرض، بالإضافة إلى غرفة العمليات المشتركة المكونة من التحالف والشرعية في جازان.

وتتكون المنطقة من خمسة ألوية عسكرية، بينما يجري حاليا تشكيل لواء عسكري سادس، وقد تناوب على قيادتها أربعة قادة: الأول اللواء الركن محمد راجح لبوزة، والثاني اللواء عادل القميري الذي تمت إقالته في ظروف غامضة، واللواء علي حميد القشيبي، واللواء توفيق القيز.

حجم الخسائر للشرعية

وكشفت المصادر القريبة من قيادة الجيش في محوري حرض وميدي عن حجم الخسائر البشرية في صفوفها، والتي بلغت نحو “600 قتيل و1200 جريح”.

محسوبية وتآمر

وأفصحت المصادر اليمنية عن تنامي مظاهر المحسوبية داخل ألوية الجيش المرابطة في ميدي وحرض، ومنح الألوية لأقارب القادة دون غيرهم، وإبعاد أقوى التشكيلات العسكرية من أهم مناطق الاشتباك مع قوات الحوثي وصالح في ميدي، كأحد خطط التآمر على قادتها المعروفين بكفاءتهم وحنكتهم ميدانيا.

ولعل أبرزها “نقل كتيبتين عسكريتين من اللواء الثاني حرس حدود، الذي يقوده العميد منصور الزافني، والذي يرابط في ميدي الساحلية، إلى مدينة حرض، بعد حصوله على وعود بتسليم إدارة الجمرك فيها، لشقيق الزافني، لإدارته”، بحسب المصادر.

وذكرت أن إجراء الزافني تسبب في تشتت قوات الكتيبتين فضلا عن تلاشي كتيبة “الفاروق” أقوى كتيبة في اللواء الثاني حرس حدود، وكان يقودها العقيد أنور الشراعي، إلى جانب الخلافات التي نسبت بين الشراعي والزافني بسبب هجوم فاشل على الحوثيين في ميدي، لم يحقق أي تقدم على الأرض، بل إنه تسبب في فقدان كتيبة” الفاروق” أفضل المقاتلين من ضباط وجنود، منهم “أحمد المحفلي، ونوار الشريف، وعبد المجيد معيض، وعصام الزبيدي”.

وكان الجيش الوطني قد أعلن في شباط/ فبراير مطلع العام الجاري، مديرية ميدي منطقة محررة بالكامل، إلا أن هجمات مسلحي الحوثي المدعومين بقوات صالح المتتالية، قلصت من سيطرة الأول على المديرية الساحلية.

وقالت المصادر إنه بعد الهجوم الذي حدث قبل أكثر  خمسة أشهر على مدينة ميدي المطلة على البحر الأحمر، بهدف انتزاع السيطرة عليها، وبينما كان يتساقط الجنود بين قتلى وجرحى في تلك الصحارى والقفار، ودماؤهم تسكب في جبهات ومواقع القتال، فقد كان اللواء علي حميد القشيبي، قائد المنطقة الخامسة السابق “سيئ الصيت” ـوفق تعبيرهاـ يقيم عرسا صاخبا لنجله الذي تزوج من ابنة العميد منصور الزافني، قائد اللواء الثاني حرس حدود.

وتحدثت المصادر ذاتها، والألم يعتصرها قائلة: “دماء جنودهم لم تجف من على أرض المعركة، بل إن بعض جثثهم ظلت مرمية هناك، دون أن يتمكن أحد من انتشالها، وأبرزها جثة العقيد الطميرة، قائد الكتيبة الثانية باللواء العاشر”.

وأطاح الرئيس اليمني بقائد المنطقة اللواء علي القشيبي، وقام بتعيين اللواء القيز خلفا له في نهاية آب/ أغسطس الماضي.

مظاهر الفساد

وسردت المصادر في حديثها الخاص لـ”عربي21“، أبرز مظاهر الفساد والتآمر التي يقف خلفها طابور من الضباط والقادة في هذا التشكيل المتخم ماليا، الميت عسكريا، وهي على النحو الآتي:

1ـ الاختلاسات ونهب الاعتمادات المالية للألوية التابعة للمنطقة الخامسة العسكرية، حيث يقدر المخصص الشهري لكل لواء بـ80 ألف ريال سعودي (ما يساوي 6 ملايين وأربعة آلاف ريال يمني)، بينما يصل راتب قائد كل لواء إلى ستة آلاف ريال سعودي، (ما يعادل أربعمائة وثمانين ألف ريال يمني)، بعلاوة قدرها 25 ألف ريال سعودي (ما يساوي مليوني ريال يمني).

2ـ نهب وبيع المعدات والتغذية التابعة لمنتسبي المنطقة.

3ـ التآمر على القادة والضباط الوطنيين، الذين تعرض البعض منهم لمحاولات تصفية، والبعض الآخر لفقت تهم ضدهم ومن ثم تم ترحيلهم.

4ـ غض الطرف عن تسيب عشرات الجنود في حضور المعسكرات، وذلك مقابل مبالغ مالية تخصم من المستحقات الشهرية لهم.

التسليح ودور التحالف

وتشير المصادر إلى أن تسليح القوات اليمنية في حرض وميدي، ضعيف جدا، حيث إنها لا تمتلك حتى دبابة واحدة، بينما المدرعات غير جاهزة وأغلبها معطلة.

وبخصوص موقف التحالف العربي، فقد أكدت المصادر أن طيران التحالف لم يقم بواجبه المطلوب خلال العمليات التي شنها الجيش في حرض وميدي، بل إن المعارك التي دارت طيلة تسعة أشهر، لم يكن للطيران أي حضور فيها.

وبينت أن المعطيات تفيد بأن التحالف الذي تقوده السعودية، جعل من هذه المنطقة التي يشكل أنصار حزب الإصلاح أغلب المنتسبين لتشكيلاتها العسكرية، بؤرة لاستنزافهم في معارك غير مخطط لها مع مسلحي الحوثي وكتائب صالح.

خارطة تمركز قوات الشرعية

تسيطر قوات الجيش الوطني على منفذ الطوال البري بين حرض وعسير السعودية، وتتواجد على أطراف مدينة حرض وعلى بعد 20 كيلومترا من الأسوار الموجودة على الشريط الحدودي مع المملكة وعلى بعد سبعة كيلومترات من الجمرك القديم الذي يبعد عن حرض المدينة 12 كيلومترا، وهي خاضعة لسيطرة الحوثيين.

وفي ميدي استعاد الحوثيون السيطرة عليها بعد تراجع القوات الحكومية، بينما تتواجد أغلب قواتها في ميناء يحمل اسم المدينة نفسه.

ولم يتسن لـ”عربي21” التواصل مع القادة العسكريين في المنطقة العسكرية الخامسة للجيش اليمني، لا سيما من وردت أسماؤهم في التقرير، والذين يتواجد أغلبهم في السعودية وهو ما يجعل التواصل معهم صعبا للغاية

كتاب فرنسي جديد يتحدث عن رشاوي قطرية لعدد من الساسة والكتاب الفرنسيين

Ces politiques français achetés par « nos très chers Emirs » du Qatar

فرانسوا هولاند .. الاسلام يطرح مشكلة حقيقية في فرنسا ولاعب كرة القدم كريم بن زيمة ليس مثالا للاخلاق

https://m6info.yahoo.com/fran%C3%A7ois-hollande-quot-il-y-1534856192991286.html

 

http://www.leparisien.fr/espace-premium/fait-du-jour/je-suis-le-spectre-de-l-elysee-12-10-2016-6196113.php

 

” ولايتي الرئاسية اشبه بالاشغال الشاقة .. غداة انتخابي قال لي والدي  ستكون لديك متاعب جمة .. واكد لي ساركوزي قائلا .. سترى ان المهة صعبة للغاية  او قاسية ”

اتمنى ان يقال عني بعد خروجي من الاليزيه .. انني رئيس شجاع”

عندما امضي بعض العشاوات امام طبق على بلاتو .. اشعر كانني شبح قصر الاليزيه

 

فلاسفة ومثقفون وعلماء عرب تعرضوا للظلم او اعدموا بسبب كتاباتهم…من الرازي الى ابن رشد مرورا بابن سينا والادريسي

هنا تصنيف اصولي لهم وحكم ببطلان مؤلفاتهم   بل تكفيرهم

وهذا الحكم منقول ومتوارث ومن المفيد الاطلاع عليه  للوقوف على   حجم الضرر الذي لحق  بالتعبير   التعددي  الغني والمتنوع  في تاريخ العرب والمسلمين   والمؤسف ان مثل هذا التفكير الاسنئصالي  مازال قائما اليوم  بل يستخدم سلاحا لسحق  التعدد والتنوع العربي والاسلامي

 

بن المقفع – عبد الله بن المقفع – [ت: 145 هـ]:

كان مجوسياً فأسلم، وعرّب كثيراً من كتب الفلاسفة، وكان يتهم بالزندقة.

لذلك قال المهدي رحمه الله تعالى: (ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع) .

جابر ابن حيان [ت: 200 هـ]:

أولاً: إن وجود جابر هذا مشكوك فيه.

لذلك ذكر الزركلي في “الأعلام” في الحاشية على ترجمته: (إن حياته كانت غامضة، وأنكر بعض الكتاب وجوده).

وذكر أن ابن النديم أثبت وجوده ورد على منكريه، وابن النديم هذا ليس بثقة – كما سيأتي إن شاء الله –

ومما يؤيد عدم وجوده ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله: (وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية؛ فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم والدين) اهـ.

ثانياً: ولو أثبتنا وجوده، فإنما نثبت ساحراً من كبار السّحرة في هذه الملة، اشتغل بالكيمياء والسّيمياء والسّحر والطلسمات، وهو أول من نقل كتب السّحر والطّلسمات – كما ذكره ابن خلدون  –

الخوارزمي – محمد بن موسى الخوارزمي – [ت: 232 هـ]:

وهو المشهور باختراع “الجبر والمقابلة”، وكان سبب ذلك – كما قاله هو – المساعدة في حل مسائل الإرث، وقد ردّ عليه شيخ الإسلام ذلك العلم؛ بأنه وإن كان صحيحاً إلا أن العلوم الشّرعية مستغنية عنه وعن غيره .

والمقصود هنا؛ إن الخوارزمي هذا كان من كبار المنجّمين في عصر المأمون والمعتصم الواثق، وكان بالإضافة إلى ذلك من كبار مَنْ ترجم كتب اليونان وغيرهم إلى العربية.

الجاحظ – عمرو بن بحر – [ت: 255 هـ]:

من أئمة المعتزلة، تنسب إليه “فرقة الجاحظية”، كان شنيع المنظر، سيء المخبر، رديء الاعتقاد، تنسب إليه البدع والضّلالات، وربما جاز به بعضهم إلى الانحلال، حتى قيل: (يا ويح من كفّره الجاحط).

حكى الخطيب بسنده؛ أنه كان لا يصلي، ورمي بالزّندقة، وقال بعض المعلماء عنه: (كان كذاباً على الله وعلى رسوله وعلى الناس) .

ابن شاكر – محمد بن موسى بن شاكر – [ت: 259 هـ]:

فيلسوف، موسيقي، منجّم، من الذين ترجموا كتب اليونان، وأبوه موسى بن شاكر، وأخواه أحمد والحسن؛ منجمون فلاسفة أيضاً [34].

الكندي – يعقوب بن اسحاق – [ت: 260 هـ]:

فيلسوف، من أوائل الفلاسفة الإسلاميين، منجّم ضال، متهم في دينه كإخوانه الفلاسفة، بلغ من ضلاله أنه حاول معارضة القرآن بكلامه [35].

عباس بن فرناس [ت: 274 هـ]:

فيلسوف، موسيقي، مغنٍ، منجّم، نسب إليه السّحر والكيمياء، وكثر عليه الطّعن في دينه، واتهم في عقيدته، وكان بالإضافة إلى ذلك شاعراً بذيئاً في شعره مولعاً بالغناء والمُوسيقى [36].

ثابت بن قرة [ت: 288 هـ]:

صابئ، كافر، فيلسوف، ملحد، منجّم، وهو وابنه إبراهيم بن ثابت وحفيده ثابت بن سنان؛ ماتوا على ضلالهم.

قال الذهبي رحمه الله تعالى: (ولهم عقب صابئة، فابن قرة هو أصل الصابئة المتجددة بالعراق، فتنبه الأمر) [37].

اليعقوبي – أحمد بن اسحاق – [ت: 292 هـ]:

رافضي، معتزلي، تفوح رائحة الرّفض والاعتزال من تاريخه المشهور، ولذلك طبعته الرّافضة بالنجف [38].

الرازي – محمد بن زكريا الطبيب – [ت: 313 هـ]:

من كبار الزّنادقة الملاحدة، يقول بالقدماء الخمسة الموافق لمذهب الحرانيين الصابئة – وهي الرّب والنفس والمادة والدّهر والفضاء – وهو يفوق كفر الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك، وصنّف في مذهبه هذا ونصره، وزندقته مشهورة[39] – نعوذ بالله من ذلك –

البثّاني – محمد بن جابر الحراني الصابئ – [ت: 317 هـ]:

كان صابئاً.

قال الذهبي: (فكأنه أسلم).

فيلسوفاً، منجّماً [40].

الفارابي – محمد بن محمد بن طرخان – [ت: 339 هـ]:

من أكبر الفلاسفة، وأشدهم إلحاداً وإعراضاً، كان يفضّل الفيلسوف على النبي، ويقول بقدم العالم، ويكذّب الأنبياء، وله في ذلك مقالات في انكار البعث والسّمعيات، وكان ابن سينا على إلحاده خير منه، نسأل الله السّلامة والعافية[41].

المسعودي – علي بن الحسين – [ت: 346 هـ]:

كان معتزلياً، شيعياً.

قال شيخ الإسلام عن كتابه “مروج الذهب”: (وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى، فكيف يوثق في كتاب قد عرف بكثرة الكذب؟) [42] اهـ.

المجريطي – مسلمة بن أحمد – [ت: 398 هـ]:

فيلسوف، كبير السّحرة في الأندلس، بارع في السّيمياء والكيمياء، وسائر علوم الفلاسفة، نقل كتب السّحر والطّلاسم إلى العربية، وألف فيها “رتبة الحكيم” و “غاية الحكيم”، وهي في تعليم السّحر والعياذ بالله، {وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}، نسأل الله السلامة [43].

مسكويه – محمد بن أحمد – [ت: 421 هـ]:

كان مجوسياً، فأسلم، وتفلسف، وصحب ابن العميد الضّال، وخدم بني بويه الرّافضة، واشتغل بالكيمياء فافتتن بها [44].

ابن سينا – الحسين بن عبد الله – [ت: 428 هـ]:

إمام الملاحدة، فلسفي النحلة، ضال مضل، من القرامطة الباطنية، كان هو وأبوه من دعاة الإسماعيلية، كافر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم بالآخر [45].

ابن الهيثم – محمد بن الحسن بن الهيثم – [ت: 430 هـ]:

من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام، من أقران ابن سينا علماً وسفهاً وإلحاداً وضلالاً، كان في دولة العبيديين الزنادقة، كان كأمثاله من الفلاسفة يقول بقدم العالم وغيره من الكفريات [46].

ابن النديم – محمد بن اسحاق – [ت: 438 هـ]:

رافضي، معتزلي، غير موثوق به.

قال ابن حجر: (ومصنفه “فهرست العلماء” ينادي على مَنْ صنفه بالاعتزال والزيع، نسأل الله السلامة) [47] اهـ.

المعرّي – أبو العلاء أحمد بن عبد الله – [ت: 449 هـ]:

المشهور بالزّندقة على طريقة البراهمة الفلاسفة، وفي أشعاره ما يدل على زندقته وانحلاله من الدين.

ذكر ابن الجوزي أنه رأى له كتاباً سماه “الفصول والغايات في معارضة الصور والآيات”، على حروف المعجم، وقبائحه كثيرة.

ابن باجه – أبو بكر بن الصائغ، محمد بن يحيى – [ت: 533 هـ]:

فيلسوف كأقرانه، له إلحاديات، يعتبر من أقران الفارابي وابن سينا في الأندلس، من تلاميذه ابن رشد، وبسبب عقيدته حاربه المسلمون هو وتلميذه ابن رشد [49].

الأدريسي – محمد بن محمد – [ت: 560 هـ]:

كان خادماً لملك النّصارى في صقليه بعد أن أخرجوا المسلمين منها، وكفى لؤماً وضلالاً.

وفي الحديث: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين).

ابن طفيل – محمد بن عبد الملك – [ت: 581 هـ]:

من ملاحدة الفلاسفة والصّوفية، له الرّسالة المشهُورة “حي ابن يقظان”، يقول بقدم العالم وغير ذلك من أقوال الملاحدة [50].

ابن رشد الحفيد – محمد بن أحمد بن محمد [51] – [ت: 595 هـ]:

فيلسوف، ضال، ملحد، يقول بأن الأنبياء يخيلون للناس خلاف الواقع، ويقول بقدم العالم وينكر البعث، وحاول التوفيق بين الشريعة وفلسفة أرسطو في كتابيه “فصل المقال” و “مناهج الملة”، وهو في موافقته لأرسطو وتعظيمه له ولشيعته؛ أعظم من موافقة ابن سينا وتعظيمه له، وقد انتصر للفلاسفة الملاحدة في “تهافت التهافت”، ويعتبر من باطنية الفلاسفة، والحادياته مشهورة، نسأل الله السلامة [52].

ابن جبير – محمد بن أحمد – [ت: 614 هـ]:

صاحب الرّحلة المعروفة بـ “رحلة ابن جبير”، ويظهر من رحلته تلك تقديسه للقبور والمشاهد الشّركية، وتعظيمه للصّخور والأحجار، واعتقاده بالبدع والخرافات وغيرها كثير [53].

الطوسي – نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن – [ت: 672 هـ]:

نصير الكفر والشّرك والإلحاد، فيلسوف، ملحد، ضال مضل، كان وزيراً لهولاكو وهو الذي أشار عليه بقتل الخليفة والمسلمين واستبقاء الفلاسفة والملحدين، حاول أن يجعل كتاب “الإشارات” لابن سينا بدلاً من القرآن، وفتح مدارس للتّنجيم والفلسفة، وإلحاده عظيم، نسأل الله العافية.

ابن البناء – أحمد بن محمد – [ت: 721 هـ]:

شيخ المغرب في الفلسفة والتّنجيم والسّحر والسّيمياء [55].

ابن بطوطة – محمد بن عبد الله – [ت: 779 هـ]:

الصّوفي، القبوري، الخرافي، الكذّاب، كان جل اهتماماته في رحلته المشهورة؛ زيارة القبور والمبيت في الأضرحة، وذكر الخرافات التي يسمونها “كرامات” وزيارة مشاهد الشرك والوثنية، ودعائه أصحاب القبور وحضور السماعات ومجالس اللهو، وذكر الأحاديث الموضوعة في فضائل بعض البقاع، وتقديسه للأشخاص، والافتراء على العلماء الأعلام، وغير ذلك [56].

منقول من رساله للشيخ ناصر الفهد بعنوان حقيقة الحضاره الاسلاميه

مؤتمر غروزني شمعة تتحدى الظلام

المصدر: صحيفة “العرب”

10 أيلول 2016

أثار مؤتمر غروزني الذي عقد مؤخراً جدلاً واسعاً، فالتوصيات التي اعتمدها اتسمت بالشجاعة وبالعمق، والشخصيات التي بلورتها ووقعت عليها من العيار الثقيل، فمنها على سبيل المثال شيخ الأزهر أحمد الطيب.

ولو تطرقنا إلى أهم توصياته سنرصد، “توجيه النصح للحكومات بضرورة دعم المؤسسات الدينية والمحاضِن القائمة على المنهج الوسطي المعتدل والتحذير من خطر اللعب على سياسة الموازنات وضرب الخطاب الديني ببعضه. ويوصي المؤتمر الحكومات بتشريع قوانين تجرّمُ نشر الكراهية والتحريض على الفتنة والاحتراب الداخلي والتعدي على المؤسسات”.
أما التوصية التي فتحت باب سجال واسع، وهي أهم التوصيات في تاريخ المحافل الإسلامية منذ قرون، فهي تعريف المؤتمر لهوية “أهل السُنة والجماعة”، إذ حددها المؤتمر بقوله “هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علماً وأخلاقاً وتزكية على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد ومن سار على نهجه من أئمة الهدى”. ويمكنني الزعم بأنني ناديت غير مرة باعتماد هذا التعريف، وحددت الفوارق القاطعة بين السُنة وبين السلفية، ومن ذلك تثليث التوحيد (ربوبية وألوهية وأسماء وصفات)، والحاكِمية (الإسلام السياسي)، ورواسب التجسيم والنصب (أي تجسيم الإله ومجافاة آل البيت عليهم السلام)، وكلها أفكار ومعتقدات فتحت الباب لترسيخ العنف ولتكفير المسلمين والحكومات، ولا شأن لهذه الأفكار بالسُنة من قريب أو من بعيد.
وما أثار دهشتي حقاً، المشاعر المرهفة التي فاجأنا بها السلفيون نظير استبعادهم من أهل السُنة، وهم لم يتركوا طائفة أو مذهباً في الإسلام إلا وأخرجوه من الدين كله، وحين نعود إلى فتاوى هيئة كبار العلماء السعودية عن أهل السُنة سنجد العجاب، فالفتوى رقم 21119 حددت موقفاً نهائياً من الصوفية “المتصوفة قد انحرفوا عن الكتاب والسنة، وأحدثوا طرقاً مبتدعة خالفوا فيها منهج العلماء… ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله يحارب البدع والشركيات ومن أعظمها التصوف المنحرف”.
وعن الأشاعرة قال المفتي السعودي الشيخ عبدالعزيز بن باز في المجلد الثالث من فتاواه “الأشاعرة ضلّوا في ما خالفوا فيه الكتاب والسُنة وما عليه خيار هذه الأمة من أئمة الهدى من الصحابة والتابعين لهم بإحسان والأئمة المهتدين في ما تأولوه من أسماء الله وصفاته على غير تأويله، وأبوالحسن الأشعري ليس من الأشاعرة، وإن انتسبوا إليه لكونه رجع عن مذهبهم واعتنق مذهب أهل السُنة”. ولستُ أدري من أين ظن ابن باز – رحمه الله – أن الأشعري تراجع عن أشعريته، أما الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وهو مفتٍ سعودي رسمي أيضاً، له فتوى صريحة وواضحة تخرج الأشاعرة والماتريدية من أهل السُنة والجماعة. وبناء على الفتاوى السابقة فاجأتني هيئة كبار العلماء حين أصدرت بياناً تعلق فيه على مؤتمر غروزني قائلة إن استبعاد السلفية من أهل السُنة والجماعة دعوة تهدف إلى إثارة النعرات وإذكاء العصبية بين الفرق الإسلامية، “على أن كل ما أوجب فتنة أو أورث فرقة فليس من الدين وليس من نهج محمد صلى الله عليه وسلم في شيء”، وليتهم قالوا ذلك لأنفسهم قبل التبلي على غيرهم.
إن الفروق العلمية والعقدية بين السُنة وبين السلفية واضحة لا لبس فيها، وما قام به علماء الأمة الأجلاء والمعتبرون في غروزني خطوة طال انتظارها، فبسبب الالتباس بين السُنة وبين السلفية تم وصم السُنة جميعاً بالإرهاب وهم من ذلك براء، فأغلب الجماعات الإرهابية سلفية لا سُنية، ونظراً لأن أهل الإسلام سوادهم الأعظم من السُنة، أصابت تهمة الإرهاب الإسلام نفسه، وهو من ذلك براء أيضاً، ولا تصدقوا قولهم بأن السلفية هي أتباع الكتاب والسُنة ومن يعاديها فقد عادى الإسلام، لأن كل فرق الإسلام، بلا استثناء، ترى منهجها معبّراً عن الكتاب والسنة.
إن الداء الذي لا دواء له في المذهب السلفي كامن في أساس وجوده الذي لفظه القرآن الكريم، أي اعتماد المثال في الماضي لا في المستقبل “حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا”، وبالتالي فقد كل أسباب التطوير والنمو، وقد يأتي من هنا أو من هناك من يستشهد بفتوى تكفيرية لأشعري أو ماتريدي، لكن يغيب عن المستشهد أن الزمن قد تجاوزها بفعل الارتقاء الجمعي، أما الجوهر النقلي والماضوي للسلفية ما زال يحكمنا ويحكمها إلى يومنا هذا.
وما يلفت الانتباه، تبرع بعض الكتاب السعوديين بالتهجم على مؤتمر غروزني وعلمائه، زاعمين بأن المؤتمر يهدف إلى تقويض السعودية كمرجعية دينية، وهذا غير صحيح، فالسُنة والمسلمون – تاريخياً – قدروا المملكة كمرجعية سياسية لهم، أما المرجعية الدينية فهي محسومة للأزهر منذ ثلاثة قرون، وتحديداً منذ أصبح المنبر في الحرمين الشريفين سلفياً. والعجيب أن بعض هؤلاء الكتاب دافعوا عن السلفية كمن يدافع عن الروح، والطريف أن هؤلاء البعض لا تصنفهم السلفية من جملة المسلمين، وظن البعض الآخر أن دفاعه عن السلفية دفاع عن بلاده، ولا شأن لهذا بذاك، فالسلفيون أقلية في المملكة، ولا يظهرهم إلا احتكار المناصب الدينية الرسمية.
ولو كان لنا عتبٌ على أهل المؤتمر الذي استضافته الشيشان، فهو موقع المؤتمر، رغم أن أهل تلك المنطقة وما حولها عانوا الويلات من السلفية، وأتذكر أن رئيس جورجيا أعلن السلفية عدواً أول لبلاده بعد عام أو عامين من أحداث (أيلول) سبتمبر 2001، ومع ذلك فمأخذي على موقع المؤتمر أن شيخ الأزهر هو شيخ المسلمين جميعاً، لذا كان يجب أن يحضر الجميع بين يديه لا أن يذهب إلى أحد، وصدور هذه التوصيات من قلب الأزهر الشريف سيكون أثره أقوى وأكبر. ومع ذلك أقول إن توصيات غروزني بمثابة ضوء آخر النفق، ولن يتهاوى الظلام إلا إذا تبنت القيادة السياسية السعودية توصيات غروزني، فتنسجم المرجعية الدينية للمسلمين (الأزهر) مع المرجعية السياسية (السعودية).
وصل الإسلام إلى لحظة انسداد صارخة، فقد تصادم العالم والمسلمون من جهة، وتصادم المسلمون مع أنفسهم من جهة أخرى، لن تستطيع السلفية مواجهة الإرهاب ولا مواجهة إيران بسبب مشكلاتها البنيوية، فلن يكسر التطرف إلا الاعتدال، والاعتدال سُني لا سلفي، ولن تستطيع السلفية أن تتفاعل بإيجابية مع العالم لأنها تعيش في زمن قديم بمفاهيم بالية. لذلك جاءت توصيات مؤتمر غروزني لتنقذ الإسلام ولتنصف السنة بعد أن بلغ السيل الزبى وأصبح الإسلام الأكثري (السُنة) في دائرة الخطر والاستهداف، لأن أعداء الإسلام من داخله فتحوا الأبواب لأعداء الملة من الخارج ومن كل مكان بعد عبثهم بجوهر الدين الحنيف، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.