حول قضية درايفوس في فرنسا ـ الحياة اللندنية

 

http://www.alhayat.com/article/945965

هل كانت هناك سابقة لقضية روجيه غارودي ؟ قضية الفريد درايفوس حين هزّت مثقفي فرنسا وأوروبا والرأي العام ايضاً

فيصل جلول |

> هل تشبه قضية الضابط الفرنسي اليهودي الأصل، الفريد دريفوس قضية الكاتب روجيه غارودي على ما يُردد بعض المتضامنين العرب مع صاحب “الأساطير التأسيسية للسياسة الاسرائيلية”؟ هل تسببت قضية دريفوس في نشوء اسرائيل على ما يروي عدد من الكتّاب في العالم؟ هل تخابر دريفوس فعلاً مع “العدو” الألماني؟ هل انحاز اليسار الى قضيته وعارضها اليمين على ما أكد مؤخراً رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان؟

ما زال بعض هذه الاسئلة يطرح في فرنسا بعد مرور قرن على القضية التي شغلت هذا البلد وأوروبا على مدار سنوات طويلة، ويبدو انها ما انفكت قادرة على لفت الانظار والتدخل في المقارنات مع احداث راهنة آخرها محاكمة روجيه غارودي؟!

واذا كان صحيحاً ان قضية دريفوس استخدمت على نطاق واسع، كمادة دعاوية في أدبيات الحركة الصهيونية، لتبرير استيطان فلسطين وتأسيس دولة اسرائيل، فالصحيح ايضاً ان الصهيونية نشأت قبل هذه القضية وقبل كتاب “الدولة اليهودية” الذي وضعه تيودور هرتزل عام 1896، وعلى اثر ادانة دريفوس. ففي أوديسا كان ابناء صهيون يشكلون نادياً معروفاً عام 1882 ويتحدثون عن الوطن القومي، وقبلهم كان كثيرون يتداولون فكرة الوطن القومي اليهودي.

والراهن ان بعض اليهود الفرنسيين انحاز الى الحركة الصهيونية مدفوعاً بتفاقم ظاهرة العداء للسامية في ذلك الحين، ومن بينهم الكاتب والصحافي المعروف برنار لازار الذي كان من اوائل المدافعين عن دريفوس، وترأس في ما بعد تحرير صحيفة “صهيون”. لكن المؤكد ان قسماً كبيراً من اليهود الفرنسيين لم يتقبل الدعوة الصهيونية ولم يتأثر بها. ومن بين هؤلاء دريفوس نفسه الذي رفض استقبال وفد صهيوني بعد اطلاق سراحه ورفض مباركة الدعوة الصهيونية.

هذا الرفض حمل تيودور هرتزل، الصحافي النمسوي الذي كان يعمل مراسلاً في باريس، وشارك في تغطية وقائع محاكمة دريفوس، حمله على القول ان اليهود الفرنسيين وطنيون اكثر من كونهم يهوداً، لكن ذلك لم يردعه عن استخدام قضيتهم في الدعاية للمشروع الصهيوني، وبالتالي لتحويل مأساة دريفوس الى فعلٍ تأسيسي للدولة الصهيونية.

واذا كان لا بد من المقارنة بين هذه الظاهرة، وبين ظواهر اخرى عربية، فإن القياس الذي يفرض نفسه، يتصل بحالة اليهود في العالم العربي في ذلك الحين وحالتهم في اوروبا. فهم كانوا عرضة للاضطهاد العنصري والديني في القارة العجوز، في حين كانوا مندمجين في النخبة العربية الخارجة من رحم السلطة العثمانية.

اما المقارنة بين دريفوس وغارودي فإنها لا تقوم على أساس منطقي وتثير السخرية. ففي حين كان الأول ضحية لآلة القضاء العسكرية وضحية لتيار العداء للسامية ولا يتمتع بأية ضمانة قضائية للدفاع عن نفسه، نرى ان الثاني يتمتع بكل الضمانات ولم يلفق احد تهمة ضده ولم يتعرض للأضطهاد الا اذا اعتبرنا امتناع الصحف عن نشر دعاويه فعل اضطهاد. ومقارنة القضيتين أشبه، بنظرنا، بمقارنة المأساة بالملهاة.

وقبل الحديث عن تفاصيل قضية دريفوس، لا بد من الاشارة، الى العناوين الرئيسية للظروف التي أحاطت بهذه القضية أواخر القرن التاسع عشر. ففي ذلك الحين كانت فرنسا تعاني بقوة من مشاعر الاهانة الناتجة عن هزيمتها في الحرب مع المانيا عام 1870 وخسارتها الالزاس واللورين في هذه الحرب. وكانت الجمهورية الثالثة السائدة في ذلك الحين تتعرض للانتقادات وتستهدفها قوى كثيرة كانت تخطط لقلبها ولن يتحقق ذلك الا بعد الحرب العالمية الأولى. اما اليهود الذين منحتهم ثورة 1789 البورجوازية حق المساواة، فانهم كانوا ما زالوا يعملون على اكتساب هذا الحق في ظل قرن شديد الاضطراب والتقلبات.

وكان الفريد دريفوس يرمز الى العناوين السابقة فهو يهودي الأصل وبورجوازي في الآن معاً وعليه لم يكن الشارع مهيئاً للتعاطف معه بسبب دينه وموقعه الطبقي. وكان ايضاً ينتمي الى مقاطعة الألزاس، مصدر احساس الفرنسيين بالاهانة، بسبب سقوطها بيد الألمان من جهة، ولأنها مع اللورين، تنتمي الى الفضاء الالماني، هنا ايضاً لم يكن الشارع الفرنسي مهيئاً للتعاطف مع الرجل بسبب مسقط رأسه، فكيف اذا كانت جريمته متصلة بالتخابر مع العدو الالماني وهو عدو تاريخي للفرنسيين. واخيراً استخدم البعض قضيته لضرب الجمهورية الثالثة.

وتبقى الاشارة الى موقع دريفوس في أعلى سلطة عسكرية في فرنسا، فهو أول ضابط يهودي يصل الى هيئة الأركان، أي الى قمة السلطة في الجيش الوطني الذي يتطلع الفرنسيون نحوه للثأر من هزيمتهم العسكرية في العام 1870، فاذا بأول ضابط يهودي رفيع المستوى يرتكب فعل خيانة مقترفة في هذا الصرح الذي تقدسه العامة، وبالتالي يعيد هواجس الجميع تجاه اليهود، الى نقطة الصفر. ولعل اجتماع كل هذه الظروف دفعة واحدة كان كفيلاً بصم الآذان حول أي حديث عن براءة دريفوس حتى لو كان هذا الحديث مدججاً بالحجج الدامغة وحتى لو ظهر المتهم الأصلي بالخيانة كما حصل في ما بعد وكما حاول ان يوضح اميل زولا في مقالته الشهيرة: “إني اتهم!”.

بدأ الفصل الأول من هذه القضية في 27 ايلول سبتمبر عام 1894م عندما تلقى وزير الدفاع الفرنسي، الجنرال مرسييه وثيقة سرية من قسم مكافحة التجسس في وزارته، حملتها السيدة “باستيان” التي تعمل خادمة في السفارة الالمانية في باريس، وتنتظم في المخابرات العسكرية تحت اسم “اوغست”. وقد تعودت الخادمة ان تنقل الى مسؤولها المباشر، الضابط هنري، أوراقاً وقصاصات ورق عثرت عليها في السفارة. وكانت الأوراق الأكثر اهمية تأتي من سلة المهملات التابعة للملحق العسكري الألماني مكسيميليان فون شوارزكوبن وهو ضابط مغامر وغير حريص. كان يهتم بعلاقاته الغرامية النسائية والذكورية اكثر من اهتمامه بالشؤون العسكرية، وكان يحب ارتياد صالات القمار اكثر من أي شيء آخر.

اما الوثيقة التي حملتها الخادمة، فستعرف منذ تلك اللحظة باسم “اللائحة” لأنها تتضمن سلسلة من المعلومات المرقمة من 1 الى 5 وتتحدث عن مدفع من عيار 120ملم وعن تشكيلات سلاح المدفعية، وعن الانتشار العسكري الفرنسي في مدغشقر… الخ. واللائحة مكتوبة بخط ضابط فرنسي. ونقلت الخادمة ايضاً رسالة من شوارزكوبن الى الضابط نفسه، يطلب فيها مزيداً من التفاصيل والايضاحات حول ما ورد في اللائحة، وسيتضح في ما بعد ان المعلومات غير خطيرة ولا قيمة كبيرة لها وان اهم ما فيها هو فعل الخيانة نفسه.

وفور استلامه المحتويات عمد الضابط هنري الى التركيز على اللائحة واعاد تجميع قطعها الممزقة وذهل عندما قرأ مضمونها وبادر فوراً الى تسليمها للجنرال غونز نائب رئيس الأركان الذي نقلها الى الجنرال دوبواديفر رئيس الأركان وهذا الأخير حملها الى وزير الدفاع الجنرال مرسييه.

طلب مرسييه الالتزام بالصمت وبالبحث عن الخائن من دون ضجيج عبر الاستعانة بخبراء في الخطوط لمقارنة مضمون اللائحة بخطوط الضباط الكبار في رئاسة الأركان، خصوصاً اولئك الذين يطلعون عادة على الملفات السرية لكن البحث لم يفضِ الى نتيجة ما حمل هيئة الأركان على البحث عن الخائن في ادارات الوزارة انطلاقاً من شكوك عامة. ووقع الاختيار على 4 ضباط بينهم الفريد دريفوس، الذي سرعان ما استأثر باهتمام المحققين من دون غيره من المشكوك فيهم.

وكان المتهم يتمتع بكل المواصفات التي تثير الريبة. فهو يهودي ويعرف لغات عدة والزاسي وذكي وخجول ومثابر وطموح ويمتاز بحب الاطلاع والفضول ويعمل منذ عام كمتدرب في هيئة الاركان وكان اليهودي الأول الذي يصل الى هذه المرتبة. وأهمل المحققون صفات اخرى مضادة لا تدفع الى الخيانة، من بينها ان المتهم ثري ومتزوج من لوسي هادامار وهي جميلة وصغيرة السن وابنة تاجر الماس يهودي، ودريفوس متفوق في الكلية الحربية حيث تخرج بمرتبة جيد جداً ويتمتع باحترام رفاقه ومرؤوسيه، لكن كل هذه الايجابيات لم تستأثر باهتمام خاص لدى المحققين الذين تبين انهم يريدون ضحية اكثر من اي شيء آخر.

ومنذ تمحورت الشكوك حول دريفوس، طلب وزير الدفاع اجراء تحقيق شخصي لمعرفة دوافع المتهم المفترضة للخيانة مالية – نسائية… الخ وتبين من خلال التحقيق ان الضابط متعدد العلاقات الغرامية ويتردد على صالات القمار، ما يعني انه بحاجة الى تغطية نفقات غرامياته وهوايته. وسيتضح في ما بعد ان دريفوس لا يرتاد الصالات المذكورة بشهادة مدير الشرطة التي تشرف على نوادي القمار وتعرف مرتاديها. وسيعترف درايفوس بتعدد علاقاته الغرامية لكن قبل الزواج ولن يأتي المحققون باثباتات دامغة حول خياناته الزوجية المفترضة.

لم يكتفِ وزير الدفاع بهذا التقرير وطلب براهين اضافية تكفّل المقدم دوباتي دوكلام بالحصول عليها، غير ان دوكلام معروف بحبه للروايات الخيالية ويهوى التنويم المغناطيسي ومحادثة الارواح، فضلاً عن قرابته العائلية مع رئيس الأركان الجنرال دو بواديفر، لذا كان حريصاً على تأكيد خيانة دريفوس بأي ثمن، وعليه استعان بخبيرين للخطوط لمقارنة مضمون اللائحة مع نصٍ أملاه على المتهم. نفى الخبير الأول الفريد غوبيه وجود تشابه بين الخطين. وأكد الخبير الثاني الفونس بيرتيون العكس. لكن شهادة بيرتيون قابلة للطعن اخلاقياً، لأنه معروف بعدائه للسامية وهذا العداء لا يقع تحت طائلة القانون في حينه.

لم ينتظر دوباتي دوكلام وصول تقرير بيرتيون في 13 تشرين الأول اكتوبر عام 1894، وبادر الى اعتقال دريفوس في 12 منه، ومنع عنه الاتصالات بالخارج لمدة 15 يوماً ولم يخبره بالتهمة الموجهة اليه الا في اليوم الخامس عشر. وحضر الى غرفته في الصباح وقرأ عليه نص الاتهام بالتخابر مع العدو الألماني، ودس مسدساً على طاولة امامه، عله يبادر الى الانتحار تكفيراً عن خيانته، غير ان دريفوس لم يكن مستعداً للانتحار من اجل جريمة لم يرتكبها، وشعر بنهاية الكابوس الذي عاشه خلال فترة التوقيف، وبقدرته على نفي التهمة أمام المحكمة العسكرية.

ولكي تتم محاكمة المتهم امام “مجلس عسكري” كان يتوجب الحصول على موافقة الرئيس كازيمير برسييه، فتولى وزير الدفاع هذه المهمة واصطحب معه خبير الخطوط الفونس بيرتيون، الذي لم يتوصل الى اقناع الرئيس بالتهمة الموجهة لدريفوس، لا بل اعتبره مجنوناً. وعلى الرغم من ذلك وقع قراراً بتنظيم المحاكمة، لأنه كان يائساً من السلطة وهو سيستقيل بعد اسبوعين من ادانة دريفوس.

انتبه العسكريون، عشية المحاكمة، الى ان بيريتون ليس خبيراً محلفاً لدى المحاكم، فاستدعوا على جناح السرعة ثلاثة خبراء محلفين هم بيلليتيه وتيزونيير وشارافاي واختلف هؤلاء ايضاً في ما بينهم فأكد الأول ان المتهم بريء، واعتبره الآخران مذنباً، ومرة اخرى لم تعبأ هيئة الاركان بهذا الاختلاف، فهي كانت ترغب في تصفية القضية بسرعة.

ولكي تعوّض عن نقص الأدلة في محضر الاتهام، عمدت هيئة الأركان لهذه الغاية بوسائل الاعلام، التي حملت على الضابط اليهودي الخائن وواصلت حملتها بعد ادانته. ونشرت الصحف مقالات لادباء ومفكرين كبار من ضمنهم الفونس دوديه الذي أكد: اذا كان دريفوس قد باع وطنه فقط من اجل توظيف اموال بفائدة 3$ فهو يثبت انه يهودي حقاً. وقال ادوار ريمون، الذي كانت شهرته توازي شهرة اميل زولا، لكنه كان معادياً للسامية وافكاره صريحة في كتاب “فرنسا اليهودية”، قال في مانشيت عريض في صحيفة الكلمة الحرة: يهودي يرتكب خيانة عظمى. ثم نشر احصاءات حول اليهود المرشحين للخيانة في الجامعات والصحف ووظائف الدولة وطالب بحملة تطهير شاملة من اليهود في كل المؤسسات. واعتبر انه يوجد يهودي حتماً، خلف كل عمل رذيل. ووصل الأمر بجورج كليمنصو الى تجريد دريفوس من كل احساس انساني وحيواني معاً سيغير موقفه في ما بعد وانتشرت ملصقات في الشوارع تدعو الى قتل اليهود.

سيتبين في ما بعد ان القضاة العسكريين، سخروا من كل الادلة التي تشير الى براءة المتهم، والتي وردت في مطالعة محاميه الدفاعية. ولم يتمكن المحامي ديمانج وهو يميني متصلب لكنه متمسك باحترام القوانين، لم يتمكن من اقناع المحكمة بخلو ملف الاتهام من الادلة الجرمية وبضعف الدليل الوحيد المتمثل باللائحة نظراً لاختلاف الخبراء حولها، وبغياب الدوافع لدى المتهم فغناه وغنى زوجته يعصم عن الخيانة بسبب المال، لكن احداً لم يكن مستعداً للنظر في هذه المبررات. وبدا ان العسكريين يريدون الانتقام من خائن مفترض بغض النظر عما اذا كان قد ارتكب فعل خيانة ام لم يرتكب.

لم يتصرف دريفوس بحقد تجاه الحملات التي طاولته وعلق عليها بقوله: “الشعور الشعبي تجاهي شعور نبيل، لأنه يستند الى ظن بانني خائن ويجب الا ننتظر من الشعب ان يتفهم فعل الخيانة”. اما في باحة الكلية الحربية، فانه هتف، اثناء تكسير سيفه وتجريده من رتبه: تحيا فرنسا. يحيا الجيش. وسيقول بعد سنوات انه لم يكن يشك يوماً “في عدالة بلدي”.

لم يكن أحد مقتنعاً ببراءة دريفوس، في هذه المرحلة من قضيته، سوى شقيقه ماتيو وزوجته لوسي ومحاميه ديمانج. اما اميل زولا الذي سيتدخل في هذه القضية بعد 3 سنوات وسيكتب مقالته الشهيرة: “اني اتهم”. فقد علق على هذه القضية بقوله: المهم في الموضوع ان المتهم اعترف بجريمته واجمع القضاة على ادانته و”لا يمكن ان يخطئوا كلهم”. وبدا انه لم يكن على علم بالتفاصيل. ناهيك عن انه كان منشغلاً في حينه بمحاولة الدخول الى الاكاديمية الفرنسية لكن مساعيه لم تكلل بالنجاح.

وابتعد اليهود انفسهم عن قضية دريفوس في هذه المرحلة واعتبروا ان المحكمة العسكرية لا يمكن ان تخطئ وان اقترابهم من يهودي خائن يعزز ظاهرة العداء للسامية. وامتنعت المنظمات الرسمية اليهودية عن اثارة الموضوع لأنها تتلقى مساعدات من الدولة. ولم تعبأ البورجوازية اليهودية بمصيره فهي كانت مهتمة بالدفاع عن مصالحها أولاً وباثبات اخلاصها للوطن الفرنسي. اما المثقفون اليهود الكبار فانهم اتخذوا موقفاً دفاعياً ضد العداء للسامية وفصل القضية عن اليهود. وبرر الكاتب برنار لازار عدم تدخله بالقول: “أهل دريفوس اغنياء ولا يحتاجون لمساعدتي وأخوه الثري سيتدبر أمره في الدفاع عنه”.

وما يلفت الانتباه في هذه المرحلة من القضية، هو النفي الصادر عن الملحق العسكري الألماني الذي اعتبر ان “اللائحة” ملفقة وانها لم تمر عليه، وتخيل ان يكون احد العملاء قد دسها في علبة بريد السفارة، وانتشلها عميل آخر ثم سربها الى المخابرات الفرنسية. كما نفى ان يكون على معرفة بدريفوس، لكن احداً لم يصدقه واعتبر الجميع ان أقواله تهدف الى حماية المتهم وان دوره الطبيعي يقضي بذلك.

سيبدأ الفصل الثاني من القضية في آذار مارس عام 1896، ومن قلب هيئة الأركان نفسها، ففي هذا الوقت عُيّن العقيد جورج بيكار، الذي مثل الجيش في محاكمة دريفوس، رئيساً لجهاز مكافحة التجسس المخابرات الخارجية خلفاً للعقيد جورج ساندير، وكان بيكار مشهوراً بعدائه للسامية لكنه شريف ومخلص للقوانين وللجيش.

طلب بيكار من خبير الخط تفحص “اللائحة” ومقارنتها بنصٍ كتبه استيرازي، من دون اشارة الى اسمه، وهنا جزم بيرتيون بتشابه الخطين وقدم تقريراً مكتوباً وفي ظنه ان الأمر يتصل بدريفوس. واستنتج بيكار فوراً ان استيرازي هو العميل الحقيقي وأن دريفوس بريء من التهمة وأنه يقضي عقوبة السجن والنفي ظلماً. وسارع الى اطلاع رؤوسائه على التفاصيل، لكن هؤلاء لم يهتموا بالأمر، وكي يضعوا حداً لأي تسربٍ من طرفه، اتخذوا قراراً بنقله الى الخارج وظلوا يبعدونه حتى وصل الى الجنوب التونسي. والراجح ان العسكريين كانوا يخشون من ان تنهار سمعتهم إذا ما تبين انهم ادانوا خطأ الفريد دريفوس لذا فضلوا كتم القضية والتستر على عمالة استيرازي.

مقارنة بدريفوس، كان الكونت شارل استيرازي يتمتع بمواصفات افتراضية للعميل النموذجي. فهو يعيش على حساب عشيقاته بعد ان بدد “دوتا” زوجته ويرتاد صالات القمار ويقيم علاقات وثيقة مع عاهرة شهيرة ويعاني من مرض السكري والأعصاب ولديه وساوس بأن العالم كله يراقبه، والأهم من ذلك انه كان ينوء بأثقال الديون. وفي تموز يوليو عام 1894 هدد دائنوه بملاحقته قضائياً، فعرض خدماته على الملحق العسكري الالماني لقاء مبالغ مالية تتيح له تجنب الفضيحة.

في العام 1897، قرر بيكار العودة من منفاه، باجازة رسمية، وصمم على نقل السر الى صديقه المحامي لوبلوا، وكتب وصية ختمها بالشمع الأحمر، مع ملاحظة تقول بضرورة نقلها الى رئيس الجمهورية في حال وفاته. وحرص على ان يكتم صديقه خبر عمالة استيرازي وبراءة دريفوس، وأن يتصرف بالسر في ما بعد في حال تعرض بيكار للخطر، غير ان لوبلوا لم يعمل بهذه الوصية، وقصد عمه شيرير كتنير نائب رئيس مجلس الشيوخ وأخبره بالتفاصيل، فما كان من هذا الأخير إلا التوجه نحو القصر الجمهوري وابلاغ الرئيس.

في هذا الوقت تلقى ماثيو دريفوس معلومات من أحد المتمولين تفيد بأن استيرازي هو الذي كتب “اللائحة” بخط يده، وأنه يعرف ذلك لأن المعني بالأمر كان زبوناً عنده. بادر ماثيو على الفور الى طبع مئات الملصقات التي تتضمن نص اللائحة ووزعها في الشوارع واستعان بلجنة دولية ووطنية من خبراء الخطوط الذين برهنوا ان خط اللائحة هو نفسه خط استيرازي وليس خط دريفوس. وبعد ذلك تقدم بدعوى قضائية ضده، في وقت كان شيرير كتنير يثير الفضيحة علناً في مجلس الشيوخ.

انقسم الشارع الفرنسي غداة انتشار الفضيحة بين أقلية تطالب ببراءة دريفوس، وأكثرية تتحدث عن مؤامرة يهودية ضد الجيش، عنوانها التهجم على استيرازي الذي تحول الى بطلٍ قومي. وظلّ كبار المثقفين والصحافيين الذين يوجهون الرأي العام، معارضين لاعادة المحاكمة وحريصين على سمعة الجيش، ومن ضمنهم أسماء ستصبح دريفوسية في ما بعد، مثل اناتول فرانس وجورج كليمنصو وجان جوريس وأميل زولا نفسه مع فارق مهم هو ان زولا أخذ يهتم أكثر بحالة استيرازي ويجمع معلومات حوله على طريقة التحقيقات التي يجريها في أعماله الأدبية.

وكان أنصار دريفوس يحتاجون الى كاتب كبير يدافع عن القضية وهالهم ان يبتعد المثقفون عنها على الرغم من عدالتها، وبما ان أميل زولا كان الكاتب الأهم في حينه، فقد بادر ماثيو دريفوس وشيرير كتنير الى زيارته والطلب منه كتابة شيء عن القضية، واعتبروا ان تدخله فيها سينقلها الى أوروبا نظراً لشهرته الأوروبية الواسعة. وزودّوه بالحجج والبراهين الدامغة التي تثبت براءة دريفوس.

ونفّذ زولا ما وعد به فكتب مقالاً دفاعياً عن نائب رئيس مجلس الشيوخ ومقالاً آخر ضد العداء للسامية بعنوان “رسالة الى الشبيبة”، ثم رسالة الى فرنسا وكان لهذه المقالات وقعاً هائلاً، وهي التي سمحت بانحياز مثقفين كبار الى القضية مثل مارسين بروست وليون بلوم وجان جوريس وجورج كليمنصو واناتول فرانس وآخرين. واعتبر هذا التدخل بمثابة منعطف كبير في قضية دريفوس، ويمكن التأكد من ذلك بالعودة الى الحملة العنيفة التي تعرض لها زولا للتو. فقد اعتبر مناهضو دريفوس ان اليهود اشتروا أميل زولا بـپ”2 مليون فرنك” فعلق على ذلك بقوله: “انهم يقدرونني كثيراً”. اما مغني الشانسونييه فقد قفزوا للتو على هذا الموضوع ونظموا ألحاناً ضد زولا يقول أحدها: “التقى يهودي ذات يوم بزولا/ قال له تعال ساعدنا يا ملعون/ لا تخش. سندفع لك أجراً جيداً/ عندها انفرج شوق زولا الملعون!”. ولم يقتصر الأمر على الشتائم فقد وصل الى البحث العرقي في أصول الأديب الفرنسي من أجل الطعن بوطنيته. ونقرأ ذلك في مقال كتبه جاك ملقيل الذي اعتبر ان “زولا نصف ايطالي وربع يوناني وربع فرنسي وأصله لاجداده مخلوط 4 مرات”. واعتبر كاتب آخر ان “رواياته اباحية” وثالث أكد على صلته بايطاليا وسماه “السنيور زولا” ورابع اعتبره موالياً لألمانيا وسمّاه “… الهر زولا”… الخ.

اما في الشارع فقد وصل العداء للسامية الى درجات قياسية وتدخل رجال الدين الكاثوليك في القضية فقال احدهم وكان معروفاً في حينه ويدعى “كروس”: “أريد ان أصنع من جلد اليهودي سجادة صغيرة أضعها أمام سريري لأدوسها صباحاً ومساءً” في حين كان رهبان آخرون يرفضون مثل هذه الحملات ويدافعون “… عن اخوتنا اليهود”.

لكن الحملات والحملات المضادة ستتفاقم وستنفجر على نطاق واسع اثر نشر مقالة “اني اتهم”، التي كتبها اميل زولا بعد صدور حكم ببراءة استيرازي عن محكمة عسكرية في باريس اتخذت قرارها خلال 3 دقائق، وختم زولا مقالته متحدياً الحكومة بتقديمه للمحاكمة 13 كانون الثاني/ يناير 1898. هذه المقالة اشعلت لهيباً كبيراً وأحدثت انقساماً عميقاً بين الفرنسيين الذين تحولوا كلهم الى مناهضين او مؤيدين لدريفوس. ووصف جان جوريس المقالة بـپ”… العمل الأكثر ثورية خلال هذا القرن”.

واعتبر خصومه انه وقّع قرار موته بيده. وصار البعض يطلب من أولاده ان يطلق اسم “زولا” على ارضية الفضلات “سطل الفضلات” والبعض الآخر يوزع ملصقات تقول: زولا كلب روتشيلد المتمول اليهودي الشهير وبعضها الآخر يطالب علناً بـپ”الموت لزولا”. وتفيد بعض الرويات ان عدداً من رجال الدين طلب من الزوجات عدم مضاجعة أزواجهن إذا كانوا من مؤيدي زولا ودريفوس. وفي النوادي والشوارع والحقول انتشرت المبارزات بالسيوف والمسدسات بين شخصيات من الطرفين: كمبارزة كليمنصو ودريمون بالمدسات. ومبارزة العقيد بيكار والعقيد هنري بالسيوف… الخ.

ووصلت أصداء هذا الانقسام الى أوروبا فكتبت صحيفة سويسرية تقول: “مسكينة فرنسا. يا لهذا التراجع الى الخلف”. وكتب ليون تولستوي معلقاً على مقالة زولا: “… لديه فكرة جميلة ونبيلة هي مناهضة التعصب القومي”. واعتبرت “التايمز”: “… ان جريمة زولا الحقيقية تكمن في تجرؤه على الدفاع عن الحقيقة والسلم الأهلي وعمله سيشرف كل الناس من ذوي النفوس الحرة”. وقالت صحيفة “ديلي ميل”: “… ان فرنسا خرجت من صف البلدان المتحضرة”. وتلقى الكاتب برقيات بالمئات من الخارج احداها من سيدة بريطانية عبرت عن حبها له ودعته الى الهرب واللجوء في أحضانها.

نجد ان ذلك كله لم يحل دون تعرض زولا للمحاكمة وصدور حكم ضده بالسجن لمدة سنة وبغرامة مقدارها 3 آلاف فرنك. وعلى الأثر نصحه كليمنصو بالتخفي والهرب الى بريطانيا حيث بقي هناك سنة كاملة ولم يعد الا بعد اعلان براءة دريفوس في العام 1899. ففي ذلك العام كتب رسالة أخرى الى رئيس الجمهورية بعنوان: “اني اتهمت” أعلن فيها عن عودته نهائىاً “… الى كتبي” وبالفعل ألف رواية “حقيقة” واستوحى أبطالها من قضية دريفوس. وفي 28 ايلول سبتمبر 1902 وجد زولا ميتاً أمام نافذة منزله واعتبر الأطباء ان الوفاة ناتجة عن اختناق بثاني أوكسيد الكربون، غير ان تحقيقات البوليس لم تؤد الى كشف الحقيقة حول الوفاة. وبعد ربع قرن نشرت احدى الصحف شهادة لشخصٍ أكد انه سد فوهة المدفأة في منزل زولا عمداً كي يموت اختناقاً، لكن أحداً لم يأخذ الشهادة مأخذ الجد.

من جهته حضر دريفوس الى منزل زولا فور علمه بوفاته وسهر على جثمانه ليلاً لكن زوجته الكسندرين رجته بألا يشارك في تشييعه في مدافن “مون مارتر” كي لا يثير حضوره الشغب والاضطراب أثناء الجنازة. وفي 4 حزيران يونيو 1908 نقلت رفاة زولا الى “البانتيون” حيث يرقد أبرز عظماء فرنسا.

اما دريفوس فقد أعيدت محاكمته بعد انتحار الضابط هنري واعترافه في رسالة الى زوجته، بتزوير بعض الوثائق لتوفير المزيد من الأدلة ضد دريفوس، لكن محكمة رين التي انعقدت بين 8 آب اغسطس و9 ايلول سبتمبر 1899، شهدت ضغوطاً كثيفة واعتداءات من ضمنها اطلاق النار على محامي دريفوس، وأصدرت حكماً ضده بالسجن 10 سنوات ومنحه الأسباب التخفيفية. وبدا الحكم غير منطقي، فالخائن لا يمنح أسباباً تخفيفية وإلا فليس خائناً. لذا تقدم بطلب لاعادة النظر في الحكم فانقسم اصدقاؤه بين مؤيد لمواصلة الدعوى ومطالب بعفو رئاسي وانتصر المطالبون بالعفو الذي صدر في 19 ايلول سبتمبر بحجة ان دريفوس مريض ولا يستطيع قضاء العقوبة بالسجن. وللخلاص من هذه القضية دفعة واحدة صدر عفو عام شمل كل الدعاوى والقرارات الصادرة عن المحاكم ضد دريفوس وضد استيرازي وكل الضباط الآخرين.

وفي العام 1906 أصدرت محكمة التمييز الباريسية قراراً باعادة الاعتبار اليه واسترجاع رتبته في الجيش ومنحه وسام جوقة الشرف. وفي العام 1907 طالب بالاستفادة من حقه بالتقاعد، ثم انزوى في منزله.

يوم نقل رفات زولا الى البانتيون، شارك دريفوس في المراسم، ولدى خروجه من القاعة أطلق عليه صحافي يميني متطرف النار وأصابه بيده، ومن بعد بريء الصحافي الأمر الذي حمل دريفوس على البقاء أكثر فأكثر خلف الأضواء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s