بريكسيت بريطاني وكبش محرقة فرنسي…. مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f3768b72-1d3f-4f59-80ea-cf419da7a642

فيصل جلول

عبرت ” الديلي ميل ” البريطانية وهي صحيفة شعبوية ، في عدد خاص حول “البريكسيت” عن قناعتها الراسخة بان فرنسا تريد الافادة من هذه الفرصة للاطاحة بالمركز المالي الجذاب لبريطانيا وبخاصة  مدينة لندن التي تضم ابرز الانشطة المالية والمصرفية في اوروبا.

معد الملف في الصحيفة البريطانية يصف المسعى الفرنسي لتهميش لندن في سياق “البريكسيت” بانه صاف “كالماء الصخري” اي ان باريس تريد وراثة لندن كمركز مالي اول في اوروبا دون لبس او ابهام.

في فرنسا لا يتجشم احد عناء النفي، وكأن الادارة الفرنسية تريد القول ان البريطانيين اختاروا قواعد لعبة غير اوروبية عندما قرروا الخروج من الاتحاد الاوروبي وبالتالي وضعوا انفسم في السوق المبنية على قواعد المنافسة الحرة وهذا يعطيهم الحق في ترتيب اوضاعهم بعد “البركسيت” كما يشاؤون، ويعطي دول الاتحاد الحق في خيارات مفيدة لهم.

إن ما يبدو”مخططا” لوراثة المركز المالي ل لندن ليس قاصرا على باريس فالمدن الالمانية وفراكنفورت بخاصة  تبحث ايضا عن سبل وراثة لندن ومثلها فيينا، لكن المدن الاخرى تبدو بالنسبة للبريطانيين بديهيه ، بخلاف باريس التي يحتفظون معها بارث تاريخي من الخلافات العسيرة الى حد انهم اطلقوا اسم “واترلو” على محطة يورو ستار التي تعد اول محطة ينزل فيها الركاب القادمين من فرنسا الى بريطانيا.. وللتذكير فان “وترلو” هو اسم المعركة التي خسر فيها نابليون الاول اخر معاركه للسيطرة على اوروبا امام تحالف  قادته بريطانيا وانتهى الى هزيمة الامبرطور الفرنسي.

البادي ان فرنسا لا تضمر مخططا “شيطانيا” لعزل لندن ووراثتها وانما رهان من شقين الاول انتهازي صريح مفاده ان الفرصة مؤاتية  لتحقيق مكاسب اقتصادية وفق قواعد جديدة لم يخترعها الفرنسيون وانما السوق الحر نفسه، والدليل ان المصارف الكبرى التي كانت مستقرة في لندن باتت تخشى على  اعمالها من تراجع الاقتصاد البريطاني المحتم بعد البريكسيت وبالتالي تنتقل الى مدن اوروبية اخرى المانية بالدرجة الاولى.

ولعله من سؤ حظ بريطانيا ان ايمانيوال ماكرون  الرئيس الجديد للجمهورية في فرنسا مصرفي ليبرالي مجرب وطموح ، يدرك اهمية عاصمته وان عليه في هذا الوقت بالذات ان يغري الرساميل الانجلوساكسونية والاسيوية بالاستقرار في فرنسا وذلك عبر سلسلة من الاصلاحات الضريبية استجابة  لشروط المستثمرين الاجانب ورهاناتهم.

اما الشق الثاني من الرهان الفرنسي فهو الماني واوروبي في الوقت نفسه، يقضي بان يكون الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبي  باهظ الكلفة الى حد يردع الدول التي يمكن ان تغريها “البريكسيت” البريطانية. ومن غير المستبعد ان يكون الثنائي الالماني الفرنسي يراهن عبر هذا النوع من  الضغوط على  تراجع بريطاني عن الخروج ، او على الاقل الايحاء للراي العام البريطاني وخاصة الفريق  المناهض لاوروبا بان البقاء في الاتحاد اقل كلفة من الخروج منه.

ويلاحظ في هذا السياق ان وجوها بارزه ايدت الخروج في استفتاء العام الماضي  تعبر اليوم عن ندمها، وعلى الرغم من ان هذه الوجوه مازالت محدودة  فان استطلاعات الراي تظهر ان  قسما من البريطانيين الذين ايدوا “البريكسيت”  ندموا على موقفهم.

ويلاحظ الندم بوضوح في نتائج الانتخابات البريطانية الاخيرة التي ادت الى  خسارة حزب “البريكسيت” الاغلبية في البرلمان ما ادى الى  تشكيل حكومة ضعيفة ما كانت بريطانيا تحتاجها بهذا القدر من الضعف، للتفاوض على  شروط الخروج من الاتحاد الاوروبي.

يفصح ملف “الديلي ميل” وهو الاعنف حتى الان بين ردود الفعل عن ضيق صدر بريطاني وربما خوف مكتوم من  انهيار اقتصادي يقف الاتحاد الاوروبي ازاءه موقفا محايدا وربما يؤدي الى  انقسام داخلي ويهدد وحدة المملكة المتحدة.

ولعل ملف الصحيفة يعكس محاولة لايقاظ نزعة العداء لفرنسا فيكون لدى الراي العام البريطاني عدوه الفرنسي التقليدي, او”كبش المحرقة” النموذجي الذي يريد بالمملكة سؤا كما هي الحال دائما عبر التاريخ. ان اللغة التي كتب فيها تقرير “ديلي ميل” تغري بالذهاب في هذا الاتجاه، علما بان الحملات الصحافية تبدأ عادة  من المنابر الشعبوية وبلغة تعبوية من النوع الذي ورد في سياق ملف” الديلي ” من ان فرنسا تريد ببريطانيا شرا وان هذا واضح وشفاف كوضوح وشفافية وصفاء ” الماء الصخري” اي لا يعتريه شك ولا ينطوي على احتمال خطأ  ولو يسيرا .

ويمكن للتعبئة ان تكون مفيدة في تحقيق قدر من التماسك حول الحكومة البريطانية الضعيفة هي امس الحاجة اليه خلال ما يناهز ال عشرين شهرا من المفاوضات  المرتقبة مع  الاتحاد الاوروبي ، لكن التماسك نفسه وعلى اهميته ، قد لا  يحفظ موقع لندن المالي المميز والذي اكتسبته من خلال علاقاتها الوثيقة  مع الاتحاد الاوروبي او بسببه وعبر موقعها المميز في الاتحاد حيث كانت قد منحت استثناءات مهمة في عدد من المجالات الاساسية .

والاخطر من ذلك كله ان الضعف البريطاني الذي تلا استفتاء البريكست قد انعكس سلبا على موقع بريطانيا على الساحة الدولية وغيابها العملي عن الملفات الدولية والاقليمية الاساسية وذلك كله يذهب في اتجاه مضاد تماما لما توقعه الداعون الى “البريكسيت” من الذين كانوا يعتقدون ان  خروج بريطانيا من  الاتحاد الاوروبي سيفضي الى معجزة اقتصادية غير مسبوقة.

بين الخروج من الاتحاد والصورة القاتمة التي يرسمها هذا الخروج ربما تنتصر البرغماتية البريطانية  ويطوي البريطانيون صفحة “البريكسيت”. انه احتمال افتراضي لكنه جدير بالتامل.

انتهى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s