” أم المفاجات ” الفرنسية ….مقالي الاسبوعي

فيصل جلول

ثأرت استطلاعات الراي لنفسها في الدورة الاولى من الانتخابات الرئاسية في فرنسا، اذ طابقت توقعاتها النتائج التي خرجت من صناديق الاقتراع . بل يمكن القول ان هامش الخطأ في  تقديرات ما قبل الاقتراع، لم يتجاوز الواحد في المئة، وهذا يعني ان الجهد المبذول في سبر اتجاهات التصويت كان علميا الى اقصى  درجات الالتزام، وغابت عن المستطلعين الاهواء، او محاولات  رفع اسهم مرشح وخفضها لمرشح اخر .

واذا كانت النتائج قد صدقت بالنسبة للهرمية المرسومة في الاستطلاعات، وبالتالي التنبؤ بان يكون الفائز الاول هو ايمانويل ماكرون، والثاني مارين لوبن، فانها صدقت ايضا بالنسبة للخاسرين الثلاثة الكبار،  فرانسوا فيون الذي حصل على اكثر بقليل من 19 بالمئة، وجان لوك ميلونشون الذي حصل على النسبة نفسها تقريبا، تلاه بنوا هامون بعيدا باقل من 7 بالمئة كما توقعت معظم مؤسسات الاستطلاع .

لم تكن مفاجأة الاستطلاعات هي الوحيدة في حملة الرئاسيات الفرنسية، فقد حقق الرابح الاول في الدور الاول المفاجأة الاكبر، فالسيد ماكرون يمكن ان يكون بعد اسبوعين اصغر رئيس فرنسي في تاريخ الجمهورية، ونظيرا للرئيس الامريكي الراحل جون كندي سنا وحيوية،  دون ان يكون متمتعا بخبرة سياسية طويلة او منتخبا من اية جهة. والمناصب الوحيدة التي تولاها كانت قبل اربع سنوات بمبادرة من الرئيس الحالي فرانسوا هولاند، واعلاها وزارة الاقتصاد التي ادارها ماكرون لاقل من سنتين لم يتمتع خلالها باية شعبية او تعاطف من طرف زملائه.

عندما قرر ماكرون ان يرشح نفسه للرئاسة قبل سنة، ما كان احد يحمله على محمل الجد. لكن سرعان ما اكتسبت حركته الشاب”الى الامام ” حضورا قويا اذ التحق بها خلال شهور قليلة اكثر من مائتي الف منتسب، ثم كرت سبحة التاييد والانتساب الى برنامجه الرئاسي وبخاصة من زعيم  “تيارالوسط” فرانسوا بايرو، ومن ثم من اطراف عديدة ابرزها وزير الدفاع في حكومة الرئيس هولاند جون ايف لودريان ومن مانويل فالس رئيس الحكومة السابق، ومن الرئيس الفرنسي نفسه.

فوز ماكرون بالدورة الاولى  للانتخابات الرئاسية والراجح برئاسة الجمهورية في الدورة الثانية  من الاقتراع  هو المفاجأة الاكبر بكل المقاييس، لكنها ليست الوحيدة  فقد كرس فوزه تهميش اليسار واليمين التقليديين بل يمكن القول انه سدد لكمة قوية للثنائية الحزبية في فرنسا، اذ اخرج الطرفين من التسابق الرئاسي بقدر كبير من الاهانة.

الاهانة الاكبر اصابت  الحزب الاشتراكي الحاكم حين فضل رئيس الجمهورية تاييد صديقه وخليفته غير الاشتراكي، على مرشح الحزب الرسمي بنوا هامون، وانفراط عقد فيلة الحزب الكبار من حوله،  الامر الذي اخرج الحزب من السباق، وقد يؤدي الى ازمة داخلية لا نعرف كل نتائجها بعد، خصوصا ان مؤيدي ماكرون الاشتراكيين سيطالبون بحصص في كتلته النيابية المقبلة مع  احتفاظهم ببطاقات الانتساب الى الاشتراكي الامر الذي سيخلق  اضطرابا قد لايخرج منه الحزب سالما .

والاهانة الاشد مضاضة ضربت التيار الديغولي التقليدي، الذي مثله فرانسوا فيون، الخارج منتصرا بمفاجأة  كبيرة من تمهيديات الحزب السابقة على الاقتراع، فقد دفع الى الهامش وجوها حزبية عريقة شان الرئيس السابق نيقولا ساركوزي، ورئيس الوزراء الاسبق الان جوبيه واخرين، علما ان استطلاعات الراي كانت تعطي الافضلية ل جوبيه على غيره لمدة سنتين، الى حد ان جوبيه نفسه بدأ يتصرف وكانه رئيس جمهورية فرنسا المقبل، فاذا بالسيد فيون  يحدث مفاجأة صاعقة ويفوز بالتمهيديات ومن ثم تجتمع حوله المؤشرات بوصفه رئيس البلاد المقبل، سوى ان هذا الحلم  تحول الى كابوس من بعد عندما نشرت صحيفة لوكنار اونشينيه الاسبوعية الساخرة تفاصيل فضيحة فساد تورط فيها وزوجته، ادت من بعد الى زعزعة حملته وحجمت فرصه بالفوز واخير الخسارة .

هذه الخسارة المهينة وصفها احد قادة اليمين الكلاسيكي بقوله ، ان فرصة الرئاسة  كانت متاحة لليمين بعد ولاية اشتراكية سيئة بكل المقاييس، فاذا بالسيد فيون يبددها  واضاف اخر بالقول ”  حصلنا على ضربة جزاء وكنا امام مرمى فارغ لا حارس فيه لكننا اطلقنا الضربة خارج المرمى وخسرنا ”

لم يتهرب فيون من تحمل نتائج الخسارة منفردا، لكن ذلك ما عاد كافيا لانقاذ الحزب الذي قرر ان يصفي حساب هذه الهزيمة في مؤسساته الداخلية دون ان نعرف ما اذا كانت هذه المهمة ممكنة دون اثار سلبية على وحدة  الديغوليين ومستقبلهم.

اما فوز السيدة مارين لوبن فقد شكل نصف مفاجأة وهي التي خسرت الرهان عام 2012 تعود اليوم للتنافس على السلطة في فرنسا بعد تشريع حزبها ،وتهميش والدها ذي السمعة العنصرية المتطرفة وبعد ان تمكنت من القيام بجولات خارجية  استقبلت خلالها بوصفها رئيسة محتملة لبلد يتمتع بعضوية دائمة في مجلس الامن .

مفاجأة لوبن تقف عند هذه الحدود  اذ من الصعب ان تتجاوز الدورة الثانية، بسبب تقليد جمهوري فرنسي عريق يقضي بان تجتمع احزاب اليمين واليسار والوسط ضد مرشح اليمين المتطرف، لمنعه من تولي السلطة ، حصل هذا مع والدها جان ماري لوبن عام 2002 وسيحصل معها  بعد اسبوعين, وهذا لا يحتاج الى استطلاعات راي او الى جهود خارقة بل الى تمرين حسابي هو اقرب الى اليقين منه الى التوقع… تبقى المفاجأة الاهم بعد الرئاسة حيث من المنتظر الى يضع ماكرون بلاده على منعطف ليبرالي غير مسبوق .

انتهى

 

 

 

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/722704ba-18e0-49fd-822f-f34545ac5cfd

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s