انتخابات رئاسية قد تغير وجه فرنسا … مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/8c95d185-28de-465c-9653-f6ce20e43fb9

فيصل جلول

تبدو بورصة الانتخابات الرئاسية الفرنسية شديدة التقلب الى حد يصعب معه رسم تصور ثابت لما سيكون عليه مستقبل فرنسا في ظل الرئيس المقبل.ان نظرة خاطفة على استطلاعات الراي تعكس صورة تقريبية لهذا الانطباع.فقد حقق مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون تقدما ب 10 نقاط خلال شهر واحد ليحتل المرتبة الثالثة في لائحة المتسابقين ال 11 نحو قصر الاليزيه  دافعا بذلك مرشح الديغوليين واليمين المحافظ  فرانسوا فيون الى المرتبة الرابعة. في هذا الوقت مازالت السيدة مارين لوبن مرشحة اليمين المتطرف تحتل االمرتبة الاولى  في استطلاعات الراي بنسبة 24 بالمئة من الاصوات في الدورة الاولى. و يعكس تصدرها الطابع المذكور لهذه الانتخابات  ذلك ان قسما وافرا من الناخبين الفرنسيين  لا يرى غضاضة  في ان تقود البلاد سيدة شبيهة بالرئيس الامريكي دونالد ترامب ( بدون ثروته الشخصية).فهي تريد الانسحاب من الاتحاد الاوروبي والعودة الى فرنسا القديمة،  وتوحي لناخبيها ان الماضي الكولونيالي افضل من الحاضر الليبرالي، وان الفرنك القديم افضل من اليورو، وان الدين افضل من العلمانية ، والعرق  الابيض افضل من العرق الاسود الخ. وذلك في بلد يحتفظ فيه اكثر من ربع الفرنسيين بجد اجنبي من خارج فرنسا، وفي بلد يعتبر 75 بالمئة من ابنائه غير متدينين.

ويتاكد الانطباع نفسه مع السيد ماكرون الذي ياتي في المرتبة الثانية بعد السيدة لوبن في استطلاعات الراي، فهو حديث العهد بالسياسة ، ولا تجربة سابقة له  تتعدى فترة  الرئيس الحالي فرانسوا هولاند،  اذ كان من قبل مصرفيا ثم عمل مع الرئيس الحالي في قصر الاليزيه،  ومن بعد شغل منصب وزير الاقتصاد لمدة سنتين الى ان استقال وترشح للرئاسة . الملفت في هذا  الصدد انه اسس حزبا على جناح السرعة  ” فرنسا الى الامام ” ليصل عدد المنتسبين اليه اكثر من 200 الف عضو خلال أقل من 6 اشهر  وليتمكن من جمع الاف الانصار في ندواته الانتخابية  التي يشدد فيها على  الجمع بين اليمين واليسار فلا هو يميني بنظر اليساريين ولا هو يساري بنظر اليمينيين ، وما زاد في “الطين بلة ” ان ماكرون تلقى دعما من ممثل الوسط  فرانسوا بايرو الذي اقلع عن ترشيح نفسه  داعيا محازبيه الى تاييد وزير الاقتصاد السابق  الذي يبدو كشخصية سياسية “مبندقة” ان جاز القول تجمع حولها مؤيدين من كل التيارات دون الاعتراف باي منها. ان حسن صناعة ماكرون التعبيرية  تغري الجميع،  فهو يستخدم لغة سياسة عائمة تركز على اخفاقات  التيارات السياسية  المختلفة في الحكم ، وبالتالي القول انه ما سياتيه لو فاز في الانتخابات سيكون  شيئا اخر،  دون ان يتمكن احد حتى الان من رسم ملامح هذا ” الشيء الاخر” بوضوح ذلك ان  برنامجه يشبه  خطابه اذ ينطوي على اجراءات  ” مبندقة ” يمكن لاي طرف ان يفسرها لمصلحته .

ان الصفة المتقلبة للانتخابات الرئاسية في المراتب الثلاثة الاولى في استطلاعات الراي  تخلف  ثباتا الى حد بعيد في المراتب الثمانية  التالية فالسيد فرانسوا فيون الذي يحتل المرتبة الرابعة يبدو  اقل حظا في اجتياز الدور الاول  وذلك بسبب متاعبه القضائية  وانحسار الحماس الديغولي من حوله و قد يحتاج الى معجزة حتى يخرج منتصرا في  المرحلة الاولى  وان فعل فسيكون ضامنا الى حد كبير الفوز بالرئاسة لان مؤسسات الاستطلاع تجمع حتى الان على ان  تفوز مارين لوبن بالنسبة الاكبر من الاصوات في الدور الاولى  وتجمع ايضا على ان اليمين واليسار والوسط سيتحالف ضدها في الدورة الثانية  لاسقاطها كائنا ما كانت هوية  منافسها وان كان فيون كما اشرنا بعد المعجزة فهذا يعني ان تغييرا سيطرأ على الصعيدين الداخلي والخارجي في فرنسا دون ان يمس باسس السياسية  الفرنسية الراهنة  وللمقارنة السريعة نشير الى ان ميلونشون يريد تغيير الجمهورية الخامسة وتاسيس الجمهورية السادسة في حين سيكتفي فيون ببعض الاصلاحات   كما يوحي برنامجه.

بالمقابل يبدو الثبات مؤكدا في برامج المرشحين السبغة الباقين  فالسيد بنوا هامون مرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي بات بعيدا جدا عن اجتياز الدورة الاولى للاقتراع وما برحت اسهمه تتراجع اسبوعا بعد اسبوع بسبب انقسام الحزب من حوله ولان ميلونشون ما لبث يجمع حول برنامجه اصوات اليساريين من كل حديب وصوب .

والثبات لدى هامون نجده في عناصر برنامجه التي تركز على الابتعاد عن  القسم الاكبر من سياسة فرانسوا هولاند خلال السناوت الخمس الماضية  والعودة الى ما يشبه  خليط من سياسات الاشتراكي الراحل ميشال روكار ورئيس الوزراء الاسبق ليونيل جوسبان.

اما برامج المرشحين الستة البقين الذين لا يتجاوزن ال خمسة بالمئة من اصوات الناخبين فهي تنطوي ايضا على ثبات مقيم نجده بوضوح في برنامج مرشحة النضال العمالي التروتسكية التي  تؤكد ان ان فازت في الانتخابات الرئاسية فانها ستفرض ديكتاتورية البروليتاريا في فرنسا  اي ستعيد البلاد الى ما يشبه النظام السوفييتي  الراحل.

بالمقابل نرى المرشح اليسارس المتطرف بواتو يرفض التقاط صورة تذكارية مع بقية المرشحين اثناء مناظرة تلفزيونية ويقول ان لا شيء يربطه فيهم وان ما يهمه هو الطبقة العاملة ورفع مطالبها وليس الفوز برئاسة الجمهورية  ومثله ما تبقى من المرشحين  الذين يمثلون التيارات الصغيرة المتشددة  التي تحضر  لرفع الصوت  والمطالب اكثر من اي شيء اخر.ولعل الخوف الاكبر من التقلب هو  ان يكرر الناخبون تجربة الولايات المتحدة وفي هذه الحالة قد يتغير وجه فرنسا وليس فقط رئيسها .

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s