مقالي الاسبوعي .. بؤس الدولة الامة

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/12153a1a-c78d-46b5-89c5-13dd58e398b6

فيصل جلول

تضم  بلدة “كامزة” الواقعة في ضواحي العاصمة الألبانية تيرانا 200 الف نسمة، هم حصيلة سكانية لفلاحين طردتهم الليبرالية المافيوية من الارياف، بعد انهيار النظام الشيوعي الذي كان يرعى الفلاحين ويشتري محاصليهم، فضلا عن عمال وكادرات ومتضررين من النظام الجديد الموالي للسوق الوحشية.

كان يمكن لهذه المدينة التي نشأت في تسعينيات القرن الماضي، ان تبقى طي الكتمان كباقي المدن البائسة في هذا البلد، لو لم تبادر بلديتها  الى اطلاق اسماء غربية على شوارعها، من بينها اسم ” البنك الدولي ” ونيقولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق، وسيلفيو برلسكوني الميلياردير الايطالي ورئيس الحكومة السابق، وجورج بوش الرئيس الامريكي الاسبق، ومدن طوكيو وباريس ولندن واخيرا دونالد ترامب الذي عينته المدينة مواطنا شرفيا فيها وقررت تسمية بولفار باسمه  يبلغ طوله 700 متر . وبما ان رئيس البلدية ينتمي الى حزب يميني هو المسؤول عن هذه المبادرات، فقد قرر معارضه الاشتراكية  ان يؤيد هيلاري كلنتون نكاية  به، فكان سيء الحظ  الى جانب ملايين الناس الذي ما كانوا يرغبون في فوز ترامب.

الملفت في قرار البلدية انها وضعت اسم ترامب مكان “شارع الحرية” في وسطها، معتبرة ان الرئيس الامريكي يرمز للحرية وبالتالي جدير بالشارع الذي يعتبر انيقا بالقياس الى شارع باريس الموحل وشارع برلسكوني المتواضع.. وغيره من الشوارع  الاقرب الى الازقة منها الى شوارع المدن المعروفة بحسب “وكالة الصحافة الفرنسية “التي نقلت الخبر.

لكن ما الهدف من هذه المبادرة وما معناها؟ الجواب ياتي اولا على لسان رئيس البلدية  اليميني الذي قال بان  مدينته هي مدينة الحرية وان اسماء شوارعها يجب ان تكون مزينة باسماء قادة العالم ومدنه ومؤسساته الحرة .

هذا التبرير الدعاوي كان يمكن ان يكون  ملائما لو ان المدينة الالبانية اختارت اسماء “جان جاك روسو” او “سبينوزا” او “فولتير” او “جون لوك”  او” نيلسون مانديللا” او “العربي بن مهيدي” او “عمر المختار”  او “ديان بيان فو” او “سايغون ” او “بنزرت” او “بور سعيد” او غيرها من الرموز التي قاتلت من اجل الحرية او كانت مواقع انتصر فيها الاحرار على الظلمة والمستمعمرين. لكننا لا نعرف معنى الحرية التي تريدها البلدية عندما تعطي اسم اهم شارع فيها لرئيس امريكي يضيق قسم واسع من شعبه ذرعا به، ويريد ان يقيد حرية مواطنيه في الافادة من ضمان اجتماعي ميسر، ويرغب في منع مواطني 6 دول من حرية التنقل الى بلاده،  معتبرا اياهم كلهم ارهابيين لا يحق لهم زيارة امريكا. ولا نفهم  لماذا يتوجب تكريم رئيس امريكي لا يعبر عن حزنه لسقوط عشرات العائلات البريئة في قصف غربي وحشي لمنازل عراقيين في الموصل لا يمتون بصلة الى داعش، ناهيك عن اصراره على بناء جدار عازل بين الشعبين الامريكي والمكسيكي..الخ.

ان ترديد شعارالحرية على الطريقة الغربية لا يكتم المعنى الحقيقي لهذه المبادرة البائسة، واعني بذلك استدراج مساعدات بل فتات تليق بالبائسين ، والراجح انها لن تاتي، ذلك ان “الاحرار” من طراز برسلكوني وساركوزي وترامب لا يقيمون وزنا الا لمن يقف ندا امامهم والباقي لا يستحق العطف. لقد راينا ذلك من خلال تقبيل برسلكوني ايادي القذافي على هامش القمة العربية في ليبيا  2010 لشكره على الاستثمارات الليبية في ايطاليا، و من بعد في مشاركته الى جانب ساركوزي وكامرون في الحملة الجوية التي دمرت البنية التحتية الليبية وقتلت عشرات الالاف من الليبيين الذين زعم الثلاثي شن الحرب لحمايتهم.

اما البعدالاعمق لهذه المبادرة فهو يتصل بالنظام الدولي الذي استقر بعد الحرب العالمية الاولى على قاعدة الدولة الامة، ونشؤ دول امم زاد عددها مؤخرا عن 200 دولة. والمشكلة التي يطرحها هذا النظام تكمن في حجم الامم ودرجة استقرارها ووعيها ووسائلها وادوارها التاريخية، فالامم القوية بنت دولا مسيطرة وسيدة كما هي الحال في الامثلة المذكورة اعلاه، والامم الهامشية او الضعيفة  انشات دولا هامشية وضعيفة لا قيمة كبيرة لها في العلاقات الدولية.

وفي حين تطلق الامم القوية اسماء ابطالهاومؤسسيها ومفكريها على شوراعها لتقديس جبروتها، تطلق الامم الضعيفة والتابعة اسماء متبوعيها وتواريخهم واثارهم على شورعها ومرافقها. وعندما يرطن “ترامب” بالحرية وهو الذي يرى كل شيء بمنظار العملات الصعبة  مدعيا ان  ما يفعله هو الحرية  ولا شيء غيرها، تنعكس صورته في وسط ضاحية ” كامزة الالبانية” البائسة التي قد لا نفاجأ ذات يوم ان قرانا خبر اطلاق اسم “ماكدونالد” على احد شوارعها بوصفه طبق الحرية  الشعبي في العالم.

كانت البانيا خلال الفترة الشيوعية تستفيد من التوازن الدولي الذي كرسته الحرب الباردة،  لتلعب دورا منفردا  الى حد ان ماركسيين من العالم الثالث انبهروا بدورها وصموها وقدرتها على  التمرد على العملاقين الصيني والسوفييتي من جهة والامريكي من جهة اخرى، علما ان رئيسها الاوتوقراطي الراحل انور خوجا بنى شبكة دفاعية في بلاده جعلت خصومها ومنافسيها يتريثون كثيرا قبل استفزازها والاعتداء عليها. لكن المؤسف ان موجة الحرية الكاذبة التي انتشرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي  جعلت الناس يظنون ان  اتباع  الامريكي المنتصر في الحرب خير من الوقوف  بوجهه وبالتالي خسارة الدنيا والاخرة.

تعني التبعية التي اختارتها البانيا بعد الحرب الباردة الانتقال من الدولة الامة  الى الامة التابعة التي بنت دولة محنية الراس تشتري بقاءها بتبجيل متبوعيها واستدراج عرض لخدمتهم  على ان تمهد له بتزيين شوارعها باسماء السادة الجدد

انتهى

 

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s