بلطجي الشرق الاوسط … مقالي الاسبوعي

فيصل جلول

لم يعبأ رجب طيب اردوغان بالتناقض الماثل في قرار حكومته، بين منع الحملات الانتخابية  خارج الحدود، والاصرار على ارسال مبعوثيه الرسميين للحديث في مهرجانات علنية في اوروبا، لتاييد تعديلات دستورية  سيطرحها حزب العدالة والتنمية على استفتاء شعبي اواسط  نيسان ــــــ ابريل القادم.

هذا التناقض يعكس استخفافا من طرف السلطات التركية بالدول الاوروبية التي تضم جاليات تركية، وذلك باتجاهين. الاول هو حمل الدول المعنية على القبول بازدواجية المعايير من جهة واجبارها من جهة اخرى  على القبول بمهرجانات تركية على اراضيها بحجة ان المتحدثين فيها هم وزراء لا يمثلون حزب العدالة والتنمية.

ويغطي الاستخفاف تصميما مسبقا، على استدراج هولندة، ومن ثم المانيا وسويسرا والدنمارك، لازمة مفتوحة  تنقل الاستفتاء التركي، من التمحور الداخلي  والنقاش حول جوهره وتفاصيله ، الى قضية خلاف بين تركيا  التي ” تتعرض للاهانة من جمهورية موز”  او “بقايا نازية وفاشسية “على حد تعبير اردوغان. وهذا من شانه ان يستنفر “العصبية القومية” التركية  ما يؤدي بالنتيجة الى الفوز باستفتاء التعديلات  بنسبة اصوات مرتفعة، ومن ثم يعود اردوغان الى التصالح مع الدول التي استفزها، والتي مازال يستفزها عن سابق تصور وتصميم  كما هي الحال اليوم في تصريحاته الموجهة لرئيس الوزراء الهولندي والتي قال فيها ردا على دعوة الاخير للمصالحة والتفاهم قال اردوغان “” .. هذا لن يتم فانت لم تدفع الثمن بعد ”

الواضح ان مثل هذه التصريحات لم توجه من قبل لرئيس اوروبي. والراجح ايضا ان اردوغان يريد من خلالها السير على خطى الايرانيين، الذين احتجزوا زوارق امريكية  دخلت الى مياههم الاقليمة، ونشروا صور  البحارة المحتجزين  بطريقة مهينة. واليوم يعتمد اردوغان الوسيلة نفسها من اجل استدراج الاوروبيين الى خطوات تصعيدية اكبر،  للقول لمواطنيه ان هؤلاء الذين رفضوا عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، يرفضون اليوم دستورها المعدل.

في هذه الاثناء يمكن القول ان الرئيس التركي حقق هدفه الانتخابي من الازمة مع هولاندا فشعبه يرى بأم العين ان تركيا تقف بوجه اوروبا التي رفضت عضويتها وانها ستكون قوية اكثر في ظل رئاسة اردوغان بعد التعديلات الدستورية .

ما من شك في ان جزءا من  الممانعة الاوروبية للدعاية الاردوغانية يكمن في التعديلات الدستورية  موضوع الاستفتاء، والتي تنص على نقل النظام التركي من نظام برلماني الى نظام رئاسي على الطريقة الامريكية  ولكن مع ضوابط اقل، اي مع خطر بناء سلطة فردية استبدادية  مسيئة للاتراك ولجيرانهم ولعل التعديلات نفسها تحتاج الى نظرة عابرة .

تنطوي التعديلات الجديدة على  الغاء منصب رئيس الوزراء ، على ان يعين رئيس الجمهورية الوزراء ويقيلهم، ويعلن حال الطوارىء، ويحكم بموجب قرارات رئاسية، ويعين حوالي نصف اعضاء مجلس القضاء الأعلى،  وينتخب الرئيس لولاية قابلة للتجديد مرة واحدة، وان تم لاردغان ذلك فسيتمكن من البقاء في الحكم حتى العام 2029  وهو الذي بدأت ولايته في رئاسة الحكومة من العام 2003  حتى العام 2014  وكان من قبل رئيسا لبلدية اسطنبول .

الملاحظ ان هذه التعديلات تاتي في ظل حملة  تطهير واسعة  يديرها الرئيس  التركي منذ الانقلاب الفاشل،  فقد فصل حتى الان 100 الف موظف من مناصبهم، ووضع 43 الف تركيا قيد الاعتقال من بينهم صلاح الدين دمرطاش رئيس  الحزب الكردي الشرعي في تركيا وتضم السجون التركية مئات الصحافيين. وقد تم حتى الان الغاء تراخيص 150 صحيفة وامتياز صحافي، فاذا ما اضفنا الى ذلك كله التطهير الذي تم في السلطة القضائية وفي صفوف الجيش، نخلص الى نتيجة مفادها ان السيد اردوغان تمكن من تطويع السلطة في بلاده ومن حصرها في قبضة حزبه،  ويحتاج حتى تصبح هذه الحالة دائمة الى المصادقة عليها دستوريا اي عبر التعديلات الدستورية المقترحة .

يفصح ما سبق عن صورة حكم لا يروق للاوروبيين الذي باتوا يخافون من جارتهم المسلمة التي تضم 100 مليون نسمة، ومجتمع شاب وايديولوجية هجومية وموقع استراتيجي من الدرجة  الاولى،  وعمق تركي  تاريخي يمتد الى اقاصي اسيا الوسطى، وعلاقات متنوعة مع روسيا والولايات المتحدة الامريكية والصين ، وجيش قوي هو الثاني في الحلف الاطلسي بعد الولايات المتحدة ، فما بالك اذا ما اصبحت السلطة في هذا البلد مركزية وفي قبضة زعيم كاريسمي لم يتردد في ابتزاز القارة العجوز  وتهديدها بفيضان من المهاجرين على حدودها ؟

نعم تركيا القومية بزعيمها “الملهم” تقلق الاوروبيين، وتزودهم اليوم بعناصر خوف اضافية  عبر خطاب رجب طيب اردوغان  الهجومي على هولندة والذي ينطوي على تهديد هو الاول من نوعه منذ زمن طويل  في العلاقات بين بلد اوروبي وبلد اخر خارج المنظومة الغربية.

ليست المرة الاولى التي تشد فيها الحكومة التركية عصب مجتمعها عبر استراتيجية الصراع المحدود مع جهة خارجية، فقد فعلت ذلك مع  روسيا وتراجعت امام التصلب الروسي، وفعلت ذلك مع اسرائيل لاكتساب التعاطف العربي والاسلامي، وفعلت مع مصر لتكسب تاييد الاخوان المسلمين . والراجح ان هذه المرة قد تاتي النتائج عكسية تماما ،خاصة اذا ما صمم الاوروبيون على تلقين “الصدر الاعظم الجديد ” درسا قاسيا بحجم التحدي الذي طرحه عليهم. وان لم يفعلوا  فسيصبح الرئيس التركي خلال  سنوات قليلة بلطجي  الشرق الاوسط  الاكبر.

انتهى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/461baf8b-fd05-4fa8-8a31-e22209b04247

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s