مقالي الا سبوعي .. الركن الثالث في المعادلة التونسية

فيصل جلول

تتفاعل في “العهد الديمقراطي” في تونس ، انشطة وافكار تذكرنا بالفضاء السياسي اللبناني، حيث القول بلا قيد كابح  وحيث يسود مهرجان سياسي دائم و بلا حدود، الا تلك التي ارادها المعنيون اطارا كما هي الحال في المؤتمر التاسيسي الأول ل ” حركة الشعب التونسية ” ذات التوجه العروبي والذي افتتح في العاصمة  في الثاني من الشهر الجاري في قصر الرياضة بالمنزه، واستكمل اعماله في “حمامات” في سياق يبدو كلاسيكيا في العمل الحزبي لكنه يختلف هنا اذ يتصل بحركة قومية  تعتبر تونس قاعدة لها والعالم العربي فضاء واسعا.

تحمل التفاصيل في نظري ، معان مهمة، ليس في خصائص الخطاب السياسي للحركة فحسب وانما في ظروف وموقع ولحظة الحدث وبيئته، وهو ما تعكسه الملاحظات التالية :

لجهة الظروف، لا بد من لفت الانتباه الى ان الاعلان عن  التزام القومية العربية كنظرية في العمل السياسي، يحتاج بحد ذاته الى شجاعة فائقة في اجواء سياسية عربية تنطوي على مديح وتسامح مع كل القوميات الجارة لنا والبعيدة عنا، وذم للقومية العربية،  التي تجتث بصيغتها البعثية في العراق بقانون، وتستبدل بالتقاسم الطائفي والعرقي، اي بالنزول الى ما دون الوطن والامة الجامعة،  و تستهدف في سوريا عبر الترويج لدساتير خالية من عبارة” سوريا دولة عربية ” او “قطر من اقطار الامة العربية” و في كل ارجاء العالم العربي ، حيث يرمى القوميون العرب بالوصف التركي ” قومجي” والذي استخدم لتشنيع العرب ممن خرجوا على تركيا المهزومة في الحرب العالمية الاولى وقرروا رسم مصيرهم بايديهم ووفق مصالحهم.

ان رمي العروبيين ب “القومجية ” واحيانا من اسطنبول التي تعلي القومية التركية ، يضمر في ابسط معانيه حكما سلبيا على العروبة، واعتبارها من النقائص التي يفترض تجنبها. واذ يهمل 7 الاف تونسي في” قصر الرياضة” هذا الحكم القيمي ويشهرون قوميتهم وعروبتهم فهذا يعكس شجاعة ليست بديهية ابدا في وسط حزبي تونسي تتقدمه ايديولوجيات السوق الراسمالية الرائجة والمغرية هذه الايام. بكلام اخر لا بد من التحلي بقدر كبير من الشجاعة  للتظاهر بالقومية العربية المناهضة للسوق وايديولوجياته المتكيفة و التابعة و الجذابة في الان معا، بمافيها السلفية التكتيكية  والليبرالية  التابعة بلا شروط و اليسارية  المطلبية المكتفية بالاعتراض وكرسي المظلومية .

اما موقع الحدث فقد حرثته طويلا الدعوة الفينيقية حتى صارت تونس عاصمة افتراضية لهذه الحضارة  التي يزعم المؤرخون انها انتشرت على شواطيء المتوسط  في الالفية الثالثة قبل الميلاد وانها مستمرة في عمقها وسيكولوجية ورثتها التوانسة حتى الان في الالفية الثالثة بعد الميلاد. وبما ان التونسي يعيش اليوم في فضاء  صنعته الحضارة الغربية  فقد  صار عليه ان يقابل بين حضارتين،  الفينيقية القديمة والغربية الحديثة. اما الحضارة العربية الاسلامية  فهي في عرف هذا النمط من التأريخ عابرة وغير جديرة بالتبني  فما بالك حين تربط ظلما بداعش والارهاب والقراءات الايديولوجية للدين الاسلامي.

ان تتبنى حركة سياسية تونسية الهوية القومية العربية في هذا الموقع، وان تتبنى  الناصرية  في صيغة محلية، وان تنتظم في سياق تونسي طبعه قادة قوميون دفعوا حياتهم ثمنا لعروبتهم شأن صالح بن يوسف في  عهد بورقيبة في الستينات وشكري بلعيد ومحمد البراهمي، الامين العام الاول لحركة الشعب في السنوات الثلاثة الماضية، فهذا يعني ان الامر يتعدى النوستالجيا الى التعبير عن رفض الاوهام الايديولوجية الفينيقية ومغريات ايديولوجيا الغرب التي يراد لها ان تكون مستقبل ” المتخلفين” ومصيرهم المحتوم .

اما لحظة الحدث التونسية فانها  تنطوي على استقرار “الربيع العربي” في هذا البلد على مساومة  سياسية بين التيار الديني والتيار الليبرالي وهوامشهما، ما كان لها ان تنبثق، لولا تكيف التيار الديني  مع اقتصاد السوق وسلطته السياسية وممثليه في الدولة التونسية العميقة.

في اللحظة التونسية نفسها، يتمتع التيار القومي العربي التونسي بفرصة مهمة للضغط على المعادلة المذكورة عبر خطابه المحلي ولكن العابر للقطرية في ان معا. بكلام آخر  يرسي هذا التيار معادلة مثلثة الابعاد  عبر خطاب سياسي  ينطوي على تصنيف لليبرالية بوصفها حمالة للتبعية و”لنظام بن علي” الذي ثار عليه الشعب التونسي فاذا باركانه يستانفون الحكم بعد فشل التيار الديني وانهيار روافده في دول عربية مختلفة، ما يعني ان شرعية الثورة التونسية باتت اقرب الى خطاب التيار الثالث القومي العربي الذي شارك في انتفاضة البوعزيزي واستشهد مؤسسه في سياق الانتفاضة التي صارت ثورة  انتشر لهيبها  في انحاء العالم العربي.

هنا لا بد من الاشارة الى  ان حزب “نداء تونس ” يسعى  باالتحالف مع “النهضة”  الى ارساء ثنائية حزبية تشيع الاستقرار السياسي في تونس وتحميها من الارهاب وتحفظ روابطها المصيرية مع السوق الراسمالية والى تثبيت الحياة السياسية  وتأطيرها بحيث يشرف على روافد السلطة واروقتها ويصد الوصول اليها من الخارج  بوسائل “ديمقراطية”  ما يذكر ببعض التجارب الغربية  ومن بينها  التجربة البريطانية حيث الطريق الى الحكم يمر عبر حزبين حصرا. لكن  “عقب اخيل” هذا الثنائي يكمن في حداثة تكوينه وفي حاجته الماسة الى الوقت كي يثبت اركانه.

في هذه اللحظة  يضغط التيار القومي على اللعبة السياسية  التونسية  مستفيدا من عذريته السياسية ان جاز التعبير ومشروعه المستقبلي الواعد بمصير  افضل لتونس عبر الاتحاد المغاربي في سياق اتحاد عربي ديمقراطي وحر من كل تبعية.

انتهى.

– See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/55ec7e7f-5ed5-43a4-a1fc-744e1f34b6a2#sthash.r4aTaeVw.dpuf

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s