لقاءات مارين لوبن في بيروت باهظة الكلفة الاخلاقية… مقالي الاسبوعي

فيصل جلول

ما الذي يفيد لبنان عندما يستقبل بالاحضان، مرشحة فرنسية متطرفة للرئاسة، تبحث عن شرعية  دولية  خارج بلادها، ويستمد حزبها العنصري تمثيله من سياسته المناهضة للمهاجرين العرب والاجانب في فرنسا؟ الاجابة عن السؤال تمر بالقاء الضؤ على ظروف اللقاء.

اسباب متنوعة تفسر هذا الاستقبال، من بينها ان الرئيس عون يبحث ايضا عن حضور دولي طال انتظاره، و لن ياتي عن طريق فرانسوا هولاند الرئيس الفرنسي المتعالي والمحب لاسرائيل. لذا استقبل عون  لوبن وكان قد استقبل من قبل، ايمانيويل ماكرون المرشح الوسطي للرئاسة.

يذكر ان المساعد الابرز ل مارين لوبان  المحامي جليبير كولار، تولى الدفاع عن الجنرال ميشال عون عندما كان لاجئا سياسيا في فرنسا، وبالتالي ربما يكون صلة الوصل التي رتبت اللقاء، فضلا عن شخصيات فرنسية مشهورة من اصل لبناني تحتل مراتب مهمة في “الجبهة الوطنية”ولهؤلاء علاقات وثيقة ب”التيار الوطني الحر”.

اضف ال ذلك ان  رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يقدم نفسه في بيروت بوصفه  الشخصية السياسية الابرز في التاثير في قصر الاليزيه، وهو نفوذ موروث من  نشاط والده الرئيس الراحل رفيق الحريري، ولهذا النفوذ حساب في موازين القوى اللبنانية  الداخلية، لذا كان ملفتا ان يصدر الحريري بيانا بعد لقاء لوبن يحذر فيه من الخلط بين المسلمين والاسلام من جهة و الارهاب من جهة اخرى،هذا الخلط الذي تتعمده احيانا “الجبهة الوطنية ” .

يبقى ان هذا االقاء مهم جدا للسيدة لوبن من ناحية  التاثير في  الوسط الكاثوليكي الفرنسي، الذي يحرص على حماية مسيحي الشرق  ممن تعرضوا خلال السنوات الماضية لتهديدات وجودية في العراق وسوريا. علما ان مسيحي لبنان وبخاصة الطائفة المارونية كانوا المستفيد الاكبر من النظام اللبناني، بعد انهيار الامبراطورية العثمانية ، ومبادرة  فرنسا لانشاء دولة لبنان الكبير في العام 1920 من القرن الماضي.

تجدر الاشارة الى ان اللوبي الكاثوليكي في فرنسا لعب دورا مهما في ترشيح فرانسوا فيون عن التيار اليميني الديغولي ، لاسباب عديدة من بينها تصريحاته الداعية للحفاظ على ” ستاتيكو” في سوريا يتيح حماية  مسيحي الشرق، غير انه اخذ في التراجع عن تصريحاته بعد ترشيحه، فضلا عن اتهامه باساءة استخدام الاموال العامة عبر تعيين زوجته واولاده في وظائف وهمية ، الامر زاد من حظ السيدة لوبن في استدراج تاييد اكبر في الوسط الكاثوليكي الفرنسي، وهي التي تصر دائما على القول انها تعارض اسقاط النظام السوري، وان اولويتها الوحيدة مكافحة داعش وما تبقى هو من اختصاص السوريين انفسهم.

في السياق نفسه يلاحظ ان مارين لوبن  تلتقي السيد سمير جعجع رئيس “القوات اللبنانية ” اي التيار  المسيحي المقاتل في الحرب الاهلية اللبنانية،  والذي يحتفظ عدد من رفاقه القدامى بمواقع مهمة في الجبهة  التي تقودها وريثة والدها في زعامة التيار اليميني المتطرف .

ان النظر الى هذه اللقاءات من الجانب الاخلاقي، يلحق اذى كبيرا بالطرف اللبناني الذي ساهم بكسر الطوق الاخلاقي المضروب حول اليمين الفرنسي المتطرف وخاصة تجاه العرب والمسلمين في فرنسا، ف”الجبهة الوطنية” تنتهج سياسة عنصرية تجاه  المهاجرين العرب والاجانب في فرنسا وكانت في عهد الوالد المؤسس جان ماري لوبن ، تطرح حلا عرقيا للبطالة عبر شعار: 3 ملايين عاطل عن العمل يساوي طرد 3 ملايين عامل عربي ومسلم واجنبي من فرنسا ،علما ان الفرنسيين لا يتولون الوظائف المتدنية التي يشغلها الاجانب. وتطرح الجبهة  حلا عرقيا للامن بقولها ان التدهور الامني سببه الجنوح في  اوساط العرب والمسلمين، وان على فرنسا ان تطرد الجانحين الى بلادهم الاصلية  حتى لو كانوا قد ولدوا في فرنسا ولا يعرفون شيئا عن بلدهم الام. ويقوم برنامج “الجبهة الوطنية” الداخلي على الاولوية  الفرنسية الامر الذي من شانه ان يوجه ضربة قاسمة  لشعار المساواة  للمقيمين  قانونيا على مختلف الاراضي الفرنسية  وهذا الشعار ضلع اساسي في ثلاثية الثورة البورجوازية  “حرية ــــــ اخاء ـــــ مساواة ” ومن بين طروحات الجبهة اعادة النظر في جنسية بعض الفرنسيين من اصل اجنبي ، او اجبار ذوي الجنسيات المزدوجة على الاختيار بين الفرنسية  وغيرها ويقدر عددهم بمئات  الالاف منهم.

المؤسف ان مثل هذه الشعارات باتت تحظى باكثر من عشرين بالمئة من الناخبين، بسبب  ازمة البطالة والتوترات الامنية في فرنسا، وبسبب فضائح الفساد التي تطال وجوها بارزة في النخبة السياسية، والواضح ان هذه المواقف لا تظهر بكامل بشاعتها خارج فرنسا، لذا تتمتع “الجبهة الوطنية” بعطف في بعض الدول العربية لانها اعتمدت موقفا منهاضا للحرب على العراق وتتخذ موقفا مناهضا للحرب في سوريا، ويتهمها خصومها بالعداء لليهود واسرائيل الامر الذي يقربها من بعض الاوساط العربية في الخارج وبخاصة في  المشرق العربي، في حين يصعب على الجبهة تسويق مواقفها في المغرب العربي، بسبب  دور مؤسسها السيء في حرب الجزائر حيث مارس تعذيب المجاهدين الجزائريين  وفي الحرب على السويس وفي قضية المهاجرين العرب في فرنسا وهم باكثريتهم الساحقة من  شمال افريقيا .

في المحصلة يمكن القول دون تردد ان  كلفة اللقاء الاخلاقية مع السيدة لوبن عالية الى حد اعتبار من يلتقي معها شريكا، وان ادعى العكس، في تسويق عنصرية حزبها وتشدده وكرهه للعرب والاجانب ولا يغير من طبيعة اللقاء شيئا ان كانت اسبابه تكتيكية.

ثمة من يعتقد ان السياسة تتيح التحالف مع الشيطان وهو اعتقاد مفيد للابالسة وحدهم وليس لذوي النوايا الحسنة الذين تبلط نواياهم ارض جهنم.

انتهى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/0b77db65-3e87-45b3-a633-e3ac38ced6ea

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s