حنين فرنسي نحو روبسبيير وسان جوست..مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/4639a48a-23be-4f5a-983f-755487e2dd55

فيصل جلول

يكثر الفرنسيون من استخدام المنهج المقارن في حياتهم اليومية، في احاديثهم وتعليقاتهم السوداوية،.وفي هذه الايام حيث التهميديات الرئاسية على اشدها، يستحضر راديكاليون ظروف واجواء عشية الثورة البرجوازية عام 1789  لمقارنتها مع الاجواء الراهنة. ويستدعون اسماء ورموزا ثورية من تلك الفترة طافت شهرتها انحاء العالم، لمطابقتها مع  اسماء جديرة بادوار ثورية مشابهة اليوم. نعم ثمة من يبحث هذه الايام عن روبسبيير الالفية الثالثة وسان جوست ومارا وغيرهم من التيار الارهابي اليعاقبي الذي مارس الترهيب الثوري في  فرنسا القرن الثامن عشر.

و لا يصاب المرء بالدهشة عندما يلاحظ ان الراديكاليين لا ياتون على ذكر دانتون وهو ايضا ثوري لكنه معتدل وفقد راسه في حكم اصدرته محكمة روبيسبيير لانه ليس ثوريا بما فيه الكفاية بل “متواطيء” مع خصوم الثورة الى غير ذلك من الحجج ” الداعشية ” بمقاييس زمننا.

اما لماذا  استحضار رموز ” الارهاب ” و”الحزب الدموي”  بحسب اوصاف نقاد الثورة البورجوازية ، فالسبب يعود لاجتماع ظروف فوضوية ومشاكل متعددة اجتماعية واقتصادية وانكفاء داخلي وعنصرية منفلتة من عقالها وهبوط ملايين الفقراء الى ما دون خط الفقر، فضلا عن فساد الطبقة السياسية يمينا ويسارا ،وعن برامج حكم لا  يصدقها احد، ورشاوي من كل صوب وفي كل اتجاه .. الخ .

هذه الاجواء تختصرها رسالة واسعة الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، وجهتها ممرضة فرنسية شابة، الى المرشح اليميني للرئاسة فرانسوا فيون المتهم باساءة استخدام الاموال العامة وتعيين افراد اسرته موظفين وهميين في مكاتبه في الدولة ، تخاطبه الممرضة قائلة “..راتبك من اموالنا نحن المكلفين منذ ان بدأت حياتك السياسية عام 1976  حتى الان، لماذا علي ان اعمل 12 ساعة و 3 ويك اند في الشهر وان اسهر 10 ليالي لكي يصل راتبي الى اقل من الفي يورو” في حين انت تعين اولادك وزوجتك في وظائف وهمية ويقبضون اضعاف اضعاف راتبي.  واضافت ” لقد علمت بالامس انك استثمرت بمبلغ 1000 يورو في شركة استشارات وحصلت على فوائد بقيمة مليون و500 الف يورو.” وختمت بقولها “..عندما استعيد سيرة عائلات جيسكار وميتران وشيراك وساركوزي وهولاند وفالس وفيون الذين قادوا فرنسا الى ” الغائط” الراهن حيث يوجد 8 ملايين عاطل عن  العمل ومثلهم من الفقراء ، تنتابني  الرغبة بالتقيؤ.وعندما استعيد الفضائح السياسية  والفضائح الصحية وغيرها التي ضربت بلادنا فانني افقد تماما الرغبة في الاقتراع  لانهم كلهم سواء في العفن ” ودائما بحسب الممرضة الثلاثينية.

كان يمكن لهذه الرسالة ان تكون هامشية لو لم تتقلفها وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها الى ظاهرة تتداولها الاف المواقع في وقت قياسي، ما يعني ان حجم المعاناة  والغضب ازاء الطبقة السياسية الفرنسية يكبر ككرة الثلج ويتفاقم مع تعذر الحلول ومع  وتيرة المواقف البهلوانية للساسة الفرنسيين.

وهنا تتعدد الامثلة  فالمرشح اليميني فرانسوا فيون الذي  فاز بصورة مفاجئة في تمهيديات اليمين المعتدل للترشح للرئاسة في الربيع القادم ، طرح نفسه بوصفه رمزا للطهارة  ومثالا يحتذى في الحفاظ على الاموال العامة وفي السعي لمكافحة الفساد ، قبل ان تكشف وسائل الاعلام عن تورطه في توظيف افراد من اسرته في وظائف وهمية وفي اعطاء ميدالية رسمية لاحد رجال الاعمال لقاء توظيف زوجته في وظيفة شبه وهمية في مجلة يملكها.

واذ تشتد الفضائح وتنتشر حول فرضيات اساءة الائتمان من حوله ، لا يعبأ فيون بالمنشور ، ويصر على مواصلة حملته الانتخابية وكانه يقول لمتهميه وللاعلام ، ساستمر في الترشح رغم انوفكم، ولا يتردد في الحديث عن مؤامرة تستهدفه، وذلك في موقف هو الاول من نوعه في الحياة السياسية الفرنسية في عهد الجمهورية الخامسة.

بالمقابل بادرت فاليري

تريفاوليار، رفيقة الرئيس فرانسوا هولاند الاشتراكي، بالكشف عن الوجه المتعالي لرئيس الفقراء المفترضين، الذي كان يسخر منهم في جلساته الخاصة بوصفهم ب “بلا اضراس ” ، و يصر على تناول الاطعمة النادرة  والمرتفعة الثمن التي لا يحلم الفقراء بتذوقها ومن بينها، نوع من البطاطا التي تحمل اسم “نوار موتون ” والتي تزرع في الرمال على شواطيء مالحة ويعادل ثمنها ثمن اللحوم.

لا يقتصر نفاق الطبقة السياسية على المثالين المذكورين، ففي العهود الماضية لم يخرج من الحكم، مسؤول كبير واحد منزها عن خيانة الذين انتخبوه ، وفي لائحة المرشحين للرئاسة اليوم يكاد التساوي ان يشمل الجميع في اعتماد الديماغوجيا، والاكثار من الوعود الانتخابية الكاذبة او الوهمية ، والتورط في قضايا فساد ، ناهيك عن تراجع الكاريسما عند الجميع تقريبا ، وارتفاع اسهم اليمين المتطرف  واليسار المتشدد  ، الامر الذي يؤدي بالضرورة الى تراجع الثقة  لدى الناخب بسياسييه، والناي بنفسه بعيدا عن صناديق الاقتراع .

وبالعودة الى مطلع المقال اشير الى ان الظروف الضاغطة المتشكلة من كوكتكيل كبير من الفشل والفساد والبطالة وانحسار الارادة والامل ناهيك عن الفوضى والخوف من الارهاب ، كل ذلك يخلق ظروفا مناسبة للثورة  وقد راينا بعض من طلائعها في اعتصامات الخريف الماضي في الليالي البيضاء في الساحات العامة وقدنرى  المزيد في المستقبل  الامر الذي يفسر انتشار اسماء روبسبيير وسان جوست ومارا وغيرهم من راديكاليي ثورة العام 1789 ، الذين قالوا ان الفساد يتطهر بالدم  فقط وهذا ما يشبه خطاب  “داعش” اليوم..

انتهى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s