السفير .. اسئلة النشؤ والمغامرة والغياب

فيصل جلول  

كتبت في “السفير” ما احبه من النصوص في مجالات مختلفة في اواخر السبعينات ومطالع الثمانينات من القرن الماضي، وحملت بطاقتها دون ان اكون موظفا فيها،ما يعكس ارتباطا شديد الخصوصية لم الاحظ ما يشبهه في صحف لبنانية اخرى.  اعيد نشر هذه     هذه المقالة  بمناسبة غياب السفير على صفحتي  وبصيغتها الاصلية والكاملة، فقد حاولت ان اجيب من خلالها عن الاسئلة الخمسة  التي يعتمدها  مهنيو التحرير الكلاسيكي ما دام الامر يتصل بتجربة صحفية غنية على كل صعيد.

من ؟  الصحيفة تشبه الى حد التطابق مديرها.تولد  في راسه يتخيلها اولا ومن ثم يرسمها على الورق ويخرجها وياتي بالطاقم الذي يراه مفيدا لها، بل يتخيل كل عدد من اعدادها بالقياس الى صورتها الاساسية الاولى التي يتم تعديلها على اصولها. “السفير” هي امتداد لطلال سلمان بوسائل اخرى اذا ما جاز لي ” تحوير” مقولة كلاوزفيتز. فهي ولدت في الحرب وتطوي اخر اعدادها في الحرب وبين هذه وتلك حروب محلية واقليمية وعربية خاضتها صحيفة طلال سلمان بجدارة واستخدمت خلالها كل انواع الاسلحة. اصابت واصيبت  لكنها “لم ترفع الراية البيضاء”  وهذا يطابق مانشيتها الشهير في الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 ” بيروت تحترق ولا ترفع الراية البيضاء” .

لست افضل من يروي سيرة مؤسس “السفير” و لا اعرف عنه تفاصيل شخصية كافية مثيرة لشهية الفضوليين.لكن الاساسي في هويته انه ينتمي الى عائلة متواضعة، وتبين سيرته المهنية كيف اجتاز مسيرة الالف ميل، من مصحح الى محرر الى سكريتير تحرير الى مدير تحرير الى صاحب ومؤسس الصحيفة اليسارية والقومية العربية الاولى في لبنان خلال اقل من نصف قرن بقليل، ومن بين الاهم في العالم العربي. بدايته المهنية والسياسية طبعت مسيرته حتى العدد الاخير من “السفير”، فقد فتح عينيه على سنوات الجمر  الناصرية والفلسطينية  والجزائرية واليمنية والليبية…الخ . واحترف الصحافة في وسائل اعلام هذا التيار. كانت مقالاته تقرأ في اسبوعية ” الحرية ” القومية ثم الشيوعية  وتناقش في خلايا وحلقات التيار القومي العربي ومن ثم الماركسي..

يتحدث  بهدؤ. يرتب عباراته الاقرب الى الفصحى ويختصرها. يتمتع بروح دعابة يختلف وقعها باختلاف مخاطبيه. فاجأنا ذات يوم في مكتب جوزف سماحة الذي عاد للتو للعمل في الصحيفة فبادرني مبتسما بالقول الم تلاحظ اننا ” طرشنا” اي ” دهنا” المبنى حتى يليق بصاحبك ..بروح الدعابة السوداء كان يعلق على ختام اجتماعات سياسية من الدرجة الاولى تعقد في مكتبه ويليها تشكيل حكومات او تعيين وزراء واتخاذ قرارات وطنية حاسمة حتى ان رئيس وزراء شهير امتنع عن مغادرة مكتبه في السفير قبل ان يطمئن الى طريقة تعاطي الصحيفة مع استقالته. في مثل هذه اللحظات كانت الصحيفة تبدو مركزا لقرار اساسي في شؤون  لبنان وفي لحظات اخرى لبعض شؤون العالم العربي …وبروح الدعابة نفسها كان يختم رايا سلبيا  بهذا الزعيم السياسي او ذاك ..ولعله يروي يوما تفاصيل علاقته مع ابي عمار منذ ان التقاه قبل  تاسيس السفير عام 1968 ونشر ذلك في كتاب مستقل.. الى  وداع عرفات في جريدة السفير قبل  رحيله من لبنان عام  1982 .

ماذا؟

قلت للتو ان جريدة السفير لعبت ادوارا حاسمة في مصير عدد من القضايا اللبنانية والعربية . انتشرت على صفحاتها اثار وافعال الثورة الفلسطينية في لبنان والعالم. منها كانت تنطلق خطب الثورة ومواقفها وتحالفاتها وصراعاتها الداخلية وعداواتها وانشطتها النضالية وعلى صفحات السفير سجلت اخر مراحلها اللبنانية، بل اطلق ياسر عرفات تنهيدته اللبنانية  الاخيرة في الطابق السادس من مبنى  الصحيفة في مشهد مؤثر .

في السياق نفسه  يمكن القول ان الحركة الوطنية اللبنانية ولدت وترعرعت على صفحات السفير وعندما ارادت ان تستقل عنها عبر تاسيس جريدة خاصة بها منيت بفشل ذريع  وعادت ادراجها الى  شارع منيمنة.

وفي السفير اطلق اية الله الخميني ابتسامته الوحيدة المنشورة في صورة عالمية لدى استقباله ياسر عرفات. في هذه الصحيفة كان يمكن لاحداث يناير عام 1986 في عدن او لانقلاب عمر البشير في الخرطوم او لاغتيال انور السادات  او لاقتحام جهيمان العتيبي الحرم المكي عام 1979 او لانقلاب زين العابدين بن علي في تونس او لمؤتمرات مدريد وجنيف ووادي عربة وكامب ديفيد ..الخ ان تتحول ليس فقط الى اخبار وعروض عابرة ونصوص وكالات  وانما ايضا الى مواضيع نقاش وسجال ومقالات مترجمة وعروض كتب وتعليق كاريكاتوري مبدع لناجي العلي في سياق مهني لا يقل اهمية عن صناعة الاعلام في دول متقدمة.

وكان للعلاقات اللبنانية السورية محطات على صفحات السفير بغالبيتها مبنية على مسلمات طلال سلمان العربية  وفي القليل منها غضب ساطع على الصحيفة ادى في احدى المرات الى  اقتحامها،  لكن الخط التحريري للجريدة لم يبن يوما على قاعدة لبنانوية ضيقة ومعزولة او مناهضة لسوريا.

اما الحدث اللبناني فكان في هرم اهتمامات الصحيفة يطغى تماما حين ينبغي وفق سلم  اولوياتها ويتراجع الى هامش يومي في وقت اخر ولو كان  يحلق على صفحات غيرها من الصحف اللبنانية في القمة. اذكر ان 17  تحقيقا على صفحتها الاولى في تموز عام 1983  حول الضاحية الجنوبية باشرافي المتواضع كانت كافية لانقاذ مئات الاف من الفقراء اللبنانيين من التشرد وافشال خطة لبنانية دولية محكمة لتفكيك احيائهم واجبارهم على العودة الى قراهم.

والثابت ان المقاومة التعددية اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي كما المقاومة الاسلامية من بعد كانت السفير رئتها وسط حملات صحافية محلية واجنبية مناهضة ووسط ضغوط على الصحيفة  واغراءات  لا تقاوم .

على صفحات السفير وحدها كان يمكن تعريف  الهزيمة الاسرائيلية عام 2000 في جنوب لبنان كما ينبغي ان تفسر ففي حين كان منافسو الصحيفة يعتبرون ان لا نصر في جنوب لبنان وان مجمل ماوقع هو تنفيذ اسرائيلي لمخطط انسحاب  مبرمج سلفا، اطلقت السفير  العنان لنقاش واسع حول اثار الهزيمة الصهيونية الاولى  ونتائج الانتصار  اللبناني التاريخي على الدولة العبرية وسيتكرر الامر عام 2006

وما بينهما من انشطار لبناني بين 14 و8 اذار.

في السفير كان يمكن التعرف دائما على الراي المختلف  في السينما والمسرح والرواية والبحث وكان يمكن لاي كتاب محاصر ان يتنفس على صفحاتها، ولأية وجهة نظر جديرة ان تنشر وتحترم بغض النظر عن طبقة كاتبها واصوله الاجتماعية بل يمكن القول ان صفحات الثقافة والراي فيها كانت مصنعا خرجت منه مغامرات ادبية وثقافية وفكرية مازال كثير من اصحابها شهودا على تلك الفترة.

تبقى اشارة الى  ان السفير حطمت  الحواجز والشروط القاسية للارتقاء الصحافي . وعليه كان يمكن لوافد عربي يجيد الترجمة  والتحرير الاولي ان  يتدرج على صفحاتها دون صعوبات تذكر وان يصبح من بعد صحافيا مشهورا في العالم العربي بل مالك صحيفة وكان يمكن لرجالات كثر ان ينطلقوا منها ليجمعوا من بعد حيثيات في مجالات مختلفة بل يتحول بعضهم الى سياسيين ووزارء ونواب وقادة من كل الطوائف ومن كل الانتماءات ومن معظم الجنسيات العربية..

وان كان يصعب حصر العالم الذي بنته السفير في مثل هذه العجالة فان بعض المؤشرات الواردة تفصح عنه وربما تجذب اخرين ذات يوم لسبر اغواره.

اين؟

نشأت  في لبنان وهو البلد العربي الاهم بعد مصر في صناعة الاعلام لكنها كسرت تراتبية صحافية صارمة ما كانت تتيح انبثاق قطب جديد بفريق اعلامي جديد وبوسائل تقنية جديدة. شعارها الشهير ” صوت الذين لا صوت لهم ” كان من السهل التحقق منه  عبر  مادتها الاعلامية وعبر كاريكاتورها الخلاق وافتتاحيات رئيس تحريرها او صحافيها البارزين وعبر مراكز توزيعها.. لقد خلق نجاح السفير ثنائية قطبية في الصحافة اللبنانية اثرت الفضاء الاعلامي والمعرفي كما ساهمت في تأطير الصراعات  داخل لبنان وكانت متقدمة على غيرها في التاثير على قضايا مهمة في العالم العربي وبخاصة مشرقه.

متى؟

ولدت  السفير عام 1974 قبيل الحرب الاهلية اللبنانية لتواكب مرحلة جديدة في الصراع العربي الاسرائيلي ولتعبر عن جبهة رفض عربية واسعة للاستسلام  . قبل ولادتها كانت الصحافة العروبية في لبنان امتدادا للسياسة الناصرية بل الناطق الابرز باسمها وكان من الطبيعي ان تتلقى ضربة قاسمة في هزيمة العام 1967 بل اعتبرت مسؤولة و شريكة اساسية في  الهزيمة. وسدد غياب الرئيس جمال عبد الناصر ضربة قاسية لتلك الصحف التي التحق بعضها  فيما بعد بالسياسة الساداتية وانقلبت على ذاتها وبالتالي خلا المسرح الاعلامي اللبناني من صحيفة عروبية تقدمية.

في هذا الوقت نشات السفير لتعبر عن تيار عربي ولبناني صاعد “تقدمي” متنوع المشارب بين الجيفارية والناصرية النقدية مرورا بالقومية السورية وكان يمكن لليبراليين ومناهضين للعروبة والاسلام التعبير عن ارائهم على صفحاتها في سجالات شهيرة ومعروفة في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم ومطالع الالفية الثالثة .

لماذا؟

يمكن لطلال سلمان وحده ان يجيب عن هذا السؤال و ان يشرح الاسباب التقنية لوضع حد لمغامرته الصحافية الناجحة. الراجح عندي ان ثلاثة اسباب كبيرة ادت الى هذه الخاتمة  اولها ناجم عن الثورة المعلوماتية  وانتشار وسائل التعبير والتواصل الاجتماعي التي اضعفت السلطة الرابعة في كل مكان في العالم واضعفت الحاجة الى صحف ورقية مطبوعة. صحف عالمية كثيرة اغلقت وتحولت الى الشبكة العنكبوتية. السبب الثاني يتعلق ببنية السفير ومنهج التحرير فيها وهو يستجيب لشروط صدور في ظروف مختلفة ولعل كلفة اصدارها ما عادت تتناسب مع تاثيرها وانتشارها ونفوذها  وبالتالي ما عادت وسائلها متناسبة مع موقعها ودورها. والسبب الثالث يتصل بتعذر نقلها من موقع الى موقع. لقد تمكنت السفير  من اعادة التموضع في لبنان بعد خروج المقاومة الفلسطينية وبدا انها غير قادرة على التموضع بعد  الانسحاب السوري والاستقطاب الحاد الذي خلفه واقفل هوامش المناورة امام الصحيفة. في هذا الوقت خرجت منها صحيفة “الاخبار” واحتلت الساحة شطرا مهما من الفضاء الذي اعتادت السفير ان تلعب فيه  فصار ينبغي ان تنافس “الاخبار” بشروطها.. وحرمها  تراجع “النهار”  من ثنائية قطبية  لبنانية كانت تشكل  سببا مهما من اسباب وجودها.. والواضح اليوم ان ثنائية الاخبار/ الجمهورية ترث ثنائية السفير/ والنهار في لبنان .

اكبر الظن ان طلال سلمان كان بوسعه ان  يختار غيابا اخر للسفير  عبر اغراقها باموال تحمل هوية مناقضة لتاريخها وسيرتها، ففضل  تغييبها حفظا لسيرتها.. كثيرون في هذه الاوقات يشعرون بالحزن لغياب السغير وكثيرون  ربما لا يعبأون بهذا الحدث وبعضهم ينتظر غيابها بفارغ الصبر هذا في بلد ينافق سياسيوه بشعارات الوطنية والحرية والتقدم ولو كانت هذه الشعارات تعني لهم الشيء الكثير ربما تدخلوا كما تدخلت دول تحترم نفسها لحماية صحفها الكبرى من الانهيار.

في جمهورية موز فقط كجمهورية الطائف يمكن لغياب صجيفة عملاقة من طراز السفير ان يمر مرور الكرام.

 

 

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s