قيم الكاستروية لا تقاس بالدولار و بالعملات الصعبة الاخرى

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/4ec01604-de89-443f-9ac3-695977054c64

فيصل جلول

ما الذي يحمل ابن عائلة ثرية، على التضحية  بمكانته، وتجريب حظه مرارا مع الثورة المسلحة، من اجل التخلص من نظام فاسد؟ الم يكن بوسعه التعايش كغيره مع هذا النظام ؟ بل الصعود عبره الى اعلى المراتب ؟ ثم مالذي يحمل رفيقه الطبيب وابن  العائلة الميسورة على اعتماد الطريق نفسه، والتضحية بحياته من اجل قلب نظام او انظمة حكم فاسدة هنا وهناك وتابعة للولايات المحدة الامريكية في الوقت نفسه واخيرا هل حقق الكوبيون مع كاسترو احلامهم الموعودة في الرخاء والحرية؟ هذه الاسئلة عاصرت الثورة الكوبية ضد نظام باتيستا الفاسد في هافانا، وعادت للظهور مجددا مع غياب قائد الثورة فيديل كاسترو.

طرح هذا النوع من الاسئلة يخفي في طياته تفسيرا يقول ان الفقراء فقط يثورون وان ثورتهم تتم لاسباب اقتصادية، وبالتالي من ليس فقيرا لا دافع له للثورة، ولا مصلحة فيها. فهو ابن الطبقة او الطبقات السائدة التي ينبغي ان تدافع عن نظامها لا ان تطيح به.

عثر الماركسيون على اجابة جزئية، لكنها غير كافية، ومفادها ان هذا النوع من الثوار يخون طبقته التزاما بقضايا الطبقة الكادحة، اي انه يحتفظ بدوافع اخلاقية، تحمله على التخلي عن امتيازاته لصالح الفئات المسحوقة, وان هذه الفئة التي تمارس ” الخيانة الحميدة” ان جاز التعبير، تنتمي غالبا الى الطبقة البرجوزية الصغيرة  التي تضم فئات مختلفة بعضها مرشح للصعود الى اعلى وبعضها مرشح  للهبوط الى الادنى، وبالتالي يفضي موقعها غير المستقر الى مواقف بهلوانية بعض منها يشبه موقف كاسترو ورفيقه تشي غيفارا من الثورة الكوبية واخرين في ثورات البلاشفة في موسكو والماويين في بكين غيرهم في  ثورات وبلدان اخرى.

وعلى الرغم من اهمية هذا التفسير، الا انه يظل قاصرا عن الرد الشامل على الاسئلة المطروحة اعلاه ولعل الاجابة الاقرب الى الواقع تاتينا من سيرة الثنائي المذكور التي تفيد في الحالتين ان النظام الكوبي  كان اشبه بماخور عملاق في امريكا اللاتينية  للترويح عن اثرياء الولايات المتحدة عموما وبالتالي فان بقاء هذا النظام او زواله، ليس رهنا بارداة  الشعب الكوبي وانما بارادة  المستفيدين الاجانب منه، لذا نرى ان الانعطافة التي دفعت بكاسترو الى  انتهاج طريق الثورة تتمثل في محاولة تغيير النظام عبر الانتخابات، لكن باتيستا الغى الانتخابات  التي ترشح لها الزعيم الكوبي، ما حمله على التفكير بالتغييرالجذري. وكذا الامر بالنسبة للارجنتيني تشي غيفارا ، الذي جال في امريكا اللاتينية ،وخلص الى ما خلص اليه كاسترو واذ اجتمعا قررا السير على خطى سيمون بوليفار محرر امريكا اللاتينية  والحالم بوحدتها.

وما يصح على الثورة الكوبية، يصح ايضا على الثورة البورجوازية الفرنسية عام 1789  التي بشر فيها ودعا اليها وقادها فريق من النبلاء المهمشين في طبقتهم  او الذين ما عادوا يجدون في النظام الاقطاعي ضالتهم، ومن المفيد الاشارة  الى ان فولتير ومونتسكيو وروبسبيير وكاميل دومولان  وسانت جوست ومارا وغيرهم من مفكري الانوار او ثوار العام 1789 كانوا من الذين مارسوا “الخيانة الحميدة” لطبقتهم وان قلة منهم فقط لم تكن نبيلة الاصل والفصل. بل يخبرنا التاريخ الفرنسي ان اعدام الملك لويس السادس عشر قد تم بقرار برلماني بفارق صوت واحد لصالح الاعدام هو صوت الدوق ” فيليب دورليان ” ابن عم الملك وكان يوصف ب ” فيليب دوغاليتيه ” او فيليب المساواة .

بيد ان حالة كوبا وربما حالات الثورات الاشتراكية المماثلة التي حوصرت حتى تفشل ولا  تتحول الى نموذج يحتذى ويهدد الانظمة الراسمالية،  هذه الثورة  تميزت بالتجريبية وقلة الخبرة عند ذوي القرار فيها. الامر الذي ادلى الى هجرة مئات الالاف من الكوبيين  الى الولايات المتحدة، والى سنوات قحط كادت ترمي اقساما من الكوبيين في مهب المجاعة. ناهيك عن ان فئة واسعة من السكان السود لم تصل الى مراكز القرار في الحزب الحاكم وفي مواقع السلطة الاولى حتى الان.

وما يسجل لكاسترو وجيفارا في هذا المجل هو انهما حولا كوبا من بلد ماخور لاثرياء الشمال الامريكي الى بلد يضج بالكرامة والحيوية، ويحمل الفخر لابنائه  الذين عانوا طويلا من الشح ومن تقلبات الحاضنة السوفيتية في موسكو لكنهم شعروا بالفخر عندما نجح وطنهم في مواجهة الولايات المتحدة وصار قاعدة و محجة لكل دعاة التحرر في امريكا اللاتينية.

مع غياب كاسترو يطرح السؤال حول انجازاته ومن بينها مستوى معيشة الكوبيين والتطور الذي حققته البلاد ؟ قد لا تكون الانجازات فائقة الاهمية وقد لا تكون حياة السكان قد انقلبت راسا على عقب لكن المؤكد ان النظام الاقتصادي والصحي والتربوي هو الافضل بالنسبة للفقراء مقارنة بدول امريكا اللاتينية  الاخرى والمؤكد ايضا ان الشعب الكوبي اصبح فخورا بدولته وما عاد مرشحا للعيش في ماخور يقتات على فتات اثرياء الشمال.

ما من شك في ان الثمن الباهظ الذي دفعه الكوبيون لا يطابق الانجازات التي تحققت على الصعيد الاقتصادي، لكن الانجاز الاهم وهو الحرية ، لا يقدر بثمن. ولعل هذا هو الضمان الاهم للثورة الكوبية بعد غياب كاسترو وربما بعد غياب شقيقه راوول . ذلك ان المؤشرات تفيد ان الشعب الكوبي لن يعود الى الوراء، ترفده في هذه الارادة شعوب امريكا اللاتينية التي تخلص قسم كبير منها من انظمة التبعية لواشنطن وصارت كوبا بالنسبة اليها قاعدة ملهمة للتمرد ولاستعادة الكرامة..لقدغاب كاسترو لكنه وشم شعبه بالكرامة والحرية وعدم الخضوع  وهي قيم لا تقاس اهميتها بالدولار او بالعملات الصعبة الاخرى.

انتهى .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s