مقالي الاسبوعي….اختبار مغربي ناجح الى حين

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/59eb7371-1fa6-438b-a63e-599b34132f28

فيصل جلول

تدور في المغرب الاقصى لعبة انتخابية  لم تسلط عليها اضواء كافية بعد. ذلك ان الاهتمام المتعلق بنتائج ما يسمى ب “الربيع العربي”، مازال محصورا بالبؤر التي اثارها ولم تستقر على حال بعد في ليبيا والعراق وسوريا واليمن ، علما ان التجربة المغربية اتاحت بقدر من الذكاء المشترك من السلطة والمعارضة  تجنيب  المغرب حمام دم لا يحتاج احد اليه، دون ان يعني ذلك ان البلدان الاخرى ،تحتاج الى المآسي التي انتشرت فيها.

الانتخابات النيابية المغربية الاخيرة  شكلت اختبارا للمساومة  التي صنعها الملك محمد السادس مع المعارضة المغربية البرلمانية ان جازالتعبير، وهي الاكثر تمثيلا للشارع المغربي حتى اشعار اخر. وقد اجتازته بنجاح يحتاج بعد لتشكيلة حكومية ميسرة.

تفيد نتائج الانتخابات ان اصحاب المساومة  قد حصلوا على النسبة الاكبر من اصوات الناخبين،  واعني بذلك “حزب العدالة والتنمية” بزعامة رئيس الحكومة عبد الاله بن كيران  الفائز ب 125 مقعدا بزيادة 18 مقعدا عن انتخابات عام المساومة 2011 . وحزب “الاصالة والمعاصرة” الذي اسسه فؤاد عالي الهمة احد المقربين من القصر الملكي وقد فاز ب 102  مقعد ما يعني ان بوسع الحزبين فقط لو رغبا تشكيل الحكومة وتوفير التغطية البرلمانية اللازمة لها علما ان الحزبين يتصارعان ويتناقفسان  على كل صعيد بل ان اطرافا في حزب بن كيران لم تتردد بالقول ان وجود حزب “عالي الهمة” يضعف الديمقراطية في المغرب لانه مقرب من السلطة.

والملفت ان الاحزاب الراديكالية  قد تعرضت للتهميش البرلماني ان جاز القول ، وبخاصة التيار الذي يطالب بالملكية الرمزية على الطريقة البريطانية او البلجيكية ممثلا ب “فيديرالية اليسار الديمقراطي” التي تتزعمها الدكتورة نبيلة منيب. في حين رفضت “جماعة العدل والاحسان ” التي اسسها الشيخ عبدالسلام ياسين المشاركة في الانتخابات وتفترض الحركة ضمنا من خلال خطبها وتصريحاتها، ان نسبة الاقتراع التي بلغت اكثر بقليل من 40 بالمئة من نسبة  المسجلين، تضع الغائبين عن التصويت اولاكثرية منهم  في خانتها . علما ان الجماعة رفضت المشاركة في الانتخابات الماضية  عام 2011 وفي الانتخابات الحالية  لانها ترفض دستور المساومة الذي تم التوافق عليه بعد اسابيع قليلة من حركة  “الربيع العربي”  المغربية وتعتبر انه ينطوي على سلطة مطلقة للملك وبالتالي لا حاجة للانخراط في لعبة برلمانية لا تمنح البرلمانيين سلطة القرار.

واذا كان مفهوما ان تحمل جماعة “العدل والاحسان ” على الدستور لتفسر رفضها المشاركة في اللعبة الانتخابية ، فانها لا تصف بدقة التعديلات الدستورية التي حصلت في العام 2011  والتي  حصرت تعيين  رئيس الحكومة بالحزب الذي يحتل المرتبة  الاولى بنتائج الانتخابات البرلمانية  ولا يتيح الدستور اقالته الا عبر حل البرلمان  وهذا تعديل مهم يحمي رئيس الحكومة من العزل العشوائي ويتيح امامه هامشا كبيرا للمناورة، قد لايكون على قدر مايشتهي راديكاليو اليسار العلماني والسلفي الا انه يوفر مساحة للمشاركة في الحكم ، يحترمها الملك ولا تتجاوزها المعارضة الحاكمة ان جاز القول.

ان المراقب لتجربة الحكم خلال السنوات الماضية يمكنه ان يلاحظ ان الطرفين قدما تنازلات لحماية  مساحة الحكم المشتركة فمن جهة الحكومة بادر السيد بن كيران الى  رفع الدعم عن  المواد الاولية وهي خطوة ليبرالية يخشى حزب شعبي من تبنيها تحت طائلة  المس بنفوذه وبالتالي تحتاج الى جرأة وتضحية مهمة، من جهة ثانية اعترضت احزاب الحكم والمعارضة على العفو الملكي الصادر بحق مواطن اسباني اغتصب اطفالا مغاربة فكان ان تراجع الملك عن قراره. وفي السياق نفسه  اوضح دستور العام 2011 ان السيادة  في المغرب هي حق مكتسب للشعب المغربي ما يعني ان التمثيل الشعبي لا يعلوه تمثيل اخر وهذا تطور مهم ربما استدعى ان يعلن  حزب “العدالة والتنمية ” انسحابه من جماعة الاخوان المسلمين التي يعلو الانتماء لها اي تمثيل اخر ويغلب عليه وبالتالي يتعارض مع  دستور المساومة  التاريخية الذي اتاح هذه التجربة غير المسبوقة في تاريخ المغرب الاقصى.

يبين ما تقدم ان لدى الطرفين ارادة ونية  واضحة باحترام مساحة الحكم المشتركة، التي اتاحت للمغرب النجاة من حريق ” الربيع العربي” واعادت تنظيم الحياة السياسية في البلاد بطريقة براغماتية برهنت حتى الان عن جدواها لجميع المشاركين فيها.

ما من شك في ان  حزب “العدالة والتنمية” يشارك في الحكم ليس بوصفه حزب الاغلبية البرلمانية وانما الحزب الاول في التمثيل البرلماني الامر الذي يفرض عليه البحث عن الشراكة  سواء مع ” الاصالة والمعاصرة ” المقرب من المخزن او المحسوب عليه، او الاحزاب التقليدية وبعضها ممتد من فترة ما قبل دستور المساومة او الاحزاب الراديكالية وهي ضعيفة التمثيل.

ان حاجة  ” العدالة والتنمية ” الى الائتلاف  تغلب منهج المساومة  والحاجة الى  التفاوض  والى الاقناع والبحث عن المصلحة المشتركة وهذا عنصر مهم في عمل اية حكومة  ويحتاج الى صبر واتقان فنون المناورة المختلفة  الامر الذي تفصح عنه تجربة السنوات الخمس الماضية .

بيد ان تمثيل العدالة والتنمية للطبقة الوسطى يفترض برنامجا حكوميا مفيدا لها الامر الذي لا تدل عليه بوضوح تجربة السنوات الخمس الماضية ولعله يفسر بين اشياء اخرى ، تدني نسبة الاقبال على صناديق الاقتراع والراجح ان التجربة المقبلة  قد لا تحمل معها وعودا افضل طالما ان  شعار السيد بن كيران لتشكيل الحكومة الجديدة هو  التنمية وترشيد الانفاق العام . اما التنمية فتحتاج نتائجها للظهور  سنوات طويلة  في حين ينعكس ترشيد الانفاق العام تقشفا لا تطيقه الطبقة الوسطى وقد لا تطيقه كل الطبقات.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s