انذار جزائري جدير بالانتباه… فيصل جلول

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/0151a10f-8cb7-478a-a0cc-e8ac76148f3f

فيصل جلول .

“في شهر رمضان نحن نقول من اراد ان يأكل فليأكل ومن اراد ان يصوم فليصم ” .. في شهر رمضان ” نحي النساء اللواتي رفضن ارتداء الحجاب ” .هذه العبارة وغيرها انتشرت على لسان المشاركين في الاحتفال باليوم الوطني ” للوطن القبايلي” الجزائري، والذي جمع حوالي 1500 شخص في ساحة حقوق الانسان في تروكاديرو، في باريس نهاية الاسبوع الماضي.

المحتفلون لبوا دعوة شبكة “انفاد” القبايلية وقد رتلوا ما اسموه ب ” النشيد الوطني البربري، ” ورفعوا “العلم الامازيغي ”  او العلم الوطني على حد تعبيرهم . و الملفت في هذا الاحتفال استخدام تعابير من نوع ” الجزائر الاستعمارية ” او ” شرطة الجزائر الاستعمارية” او ” الجزائر هي عدونا المشترك “،  وكان ابرز المتكلمين المغني الجزائري البربري الشهير فرحات مهني، الذي ما انفك يتحدث عن ” الاستعمار ” العربي الاسلامي ل قبايل الجزائر “..

للتذكير فان السيد مهني وجه بارز من وجوه الحركة الانفصالية البربرية في الجزائر وكاد ان يفقد حياته في طائرة فرنسية خطفها  اعضاء في “الجماعة الاسلامية المسلحة ” عام 1994 وجاءوا بها الى فرنسا بيد ان السطات الفرنسية تمكنت من اقتحام الطائرة وتحرير الرهائن.

وللتذكير ايضا فان التيار البربري الانفصالي  كان ومازال هامشيا في الجزائر لكنه اخذ منذ انطلاق الربيع العربي يصعد خطابه الانشقاقي مستندا الى الاطروحات الاستشراقية  التي تزعم ان الجزائر وسائر المغرب العربي الكبير منطقة امازيغية ” استعمرها العرب ونشروا الاسلام فيها،بعد ان دمروا هوية سكانها الاصلييين”. وبالاستناد الى هذه الاطروحة فان الامازيغ طالبوا مرارا بالاعتراف رسميا بلغتهم  ودعا فريق منهم للانفصال عن الجزائر في منطقتي “بجاية ” وتيزي اوزو” لكن الملفت في التحركات الانفصالية الجديدة هو التشديد على وصف الدولة الجزائرية ب” الاستعمار العربي الاسلامي” الامر الذي يفسر الحديث عن الصيام والحجاب في شهر رمضان.

كان يمكن لهذه اللغة التحريضية غير المسبوقة  ولهذا النوع من الاحتفالات ان يتم دون ضوضاء اعلامية او اهتمام واسع، لكن تزامنها مع حديث متزايد عن امتداد ” الربيع العربي ” الى الجزائر وشمال افريقيا ناهيك عن السماح  للمحتفلين برفع علم انفصالي جزائري والدعوة الصريحة للانفصال  دون الاحتراز من ان يثير ازمة جزائرية فرنسية كل ذلك يحمل على القول ان جهة مالا تريد ان تبقى الجزائر بمنأى عن “ربيع المشرق”.

ما من شك في ان الحركة الانفصالية البربرية الهامشية جدا اليوم، يمكن ان تتسع صفوفها  اذا ما تلقت الدعم والتشجيع من قوى اقليمية  ودولية، تريد تصفية حسابات قديمة  او متراكمة مع الجزائر، او تريد للدولة الجزائرية ان تكون في صف انصار” الربيع العربي” وليس بعيدا عنهم .

ولعل ما يميز هذه الحركة عن غيرها من الحركات الثقافية الامازيغية في الجزائر دعوتها الى الاصطدام بمكونين اساسيين من مكونات المجتمع الجزائري هما الاسلام والعروبة. فقد لعبت هذه الثنائية  التاريخية دورا حاسما في حرب الاستقلال عن فرنسا ، علما ان الادارة الكولونيالية جربت ايضا ورقة  الانقسام  داخل المجتمع الجزائري لكن دون نجاح كبير في حينه.

قد يكون  ما يميز الحركة هو نقطة ضعفها الاهم فالتصدي للانتماء العربي والاسلامي للمجتمع الجزائري من شانه ان يضع الغالبية الساحقة من الجزائريين بمواجهة الحركة ، وبالتالي ان يزيد في عزلتها، ويحرمها من التعاطف المحتمل في شمال افريقيا، وذلك بخلاف الحركات المطلبية البربرية الاخرى  التي كانت تلقى  تاييدا لكونها تطالب بالاعتراف بلغتها وثقافتها وان تكون الامازيغية  لغة رسمية . وقد صارت بالفعل رسمية في المغرب  وفي الجزائر، الامر الذي ادى الى خاتمة سعيدة لتحرك مطلبي مزمن وقد ادى الاعتراف “اللغوي” ان جاز التعبير الى انحسار هامش المناورة امام التيار البربري الانفصالي فبدا وكانه لا يرمي الى تحقيق مطالب ثقافية  وانما الى اعادة النظر بتكوين المجتمع الجزائري نفسه راسا على عقب.

وعلى الرغم من صعوبة تحقيق تقدم في اتجاه تفكيك المجتمع الجزائري، واعادة  صياغته على اسس ثقافية بربرية ،فان الظروف الدقيقة التي يمر بها العالم العربي ربما شجعت الانفصاليين البربر على  المضي في مشروعهم التفكيكي كما لاحظنا. فمن المعروف ان حال العروبة هذه الايام في غاية السؤ بعد انهيار فضائها الاهم في سوريا والعراق،  ومعروف ايضا ان الارهاب الذي تمارسه الجماعات الاسلامية المتطرفة  في كل مكان ونشرها صور الذبح والقتل على الملأ الحق اذى كبيرا  بالدين الاسلامي. اضف الى ذلك ان المنظومة العربية والاسلامية  لاتني تتراجع على الصعد الاقليمية والدولية ويساعد تراجعها في مجاهرة جماعات  معادية لها برفضها وبالتالي تصنيفها في خانة الاستعمار والاحتلال  الذي يستدعي بالضرورة مقاومة ..الخ.

رب قائل ان “سنونوة” بربرية  واحدة في باريس نهاية الاسبوع الماضي  هي عصفور تائه لا يبشر ب ” ربيع بربري”، على غرار “الربيع العربي” فمثل هذا الربيع يحتاج الى حشد اكبر واهم والى ظروف اكثر اضطرابا ،و الى انتشار اليأس والتذمر في المجتمع الجزائري اكثر من ذي قبل، والى اموال تضخ في انشطة  ووسائل اعلامية تواكبها دون ان تبدو وكانها تتبني قضيتها، وذلك كله ليس مطروحا اليوم وهذا صحيح لكن الصحيح ايضا ان  المجتمع العراقي كان الاكثر اندماجا في محيطه فاذا به يصبح خلال سنوات قليلة الاكثر تفككا بفضل التدخل الامريكي والغاء الدولة والجيش العراقييين ،الامر الذي يستدعي الحذر والريبة، فالشرق الاوسط يجتاز ظروفا انقلابية لا تسمح ابدا بترف الركون الى الثوابت التاريخية..لقد اكل الثورالابيض في العراق ويؤكل امام اعيننا في سوريا وليبيا واذا كان لحم الثور الاسود الجزائري مرا وهو كذلك بالفعل  فهذا لا يعفيه من ابداء اقصى درجات اليقظة والحذر لان  الوحوش مجتمعة في الغابة بانتظار  صفارة الانذار.

انتهى.

 

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s