مقالي الاسبوعي… تونس على صفيح ساخن

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/50c92dcd-0798-40c5-8e7d-dcb34efc85c2

فيصل جلول
يلاحظ المتابع لتفاصيل الحملة الرئاسية، التي خاضها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، قبل فوزه بقصر قرطاج، انه وعد ناخبيه بالحصول على اكثر من 100 مليار دولار من الاسواق العالمية، التي تمحضه ثقتها. وقال ان هذا المبلغ، من شانه ان يعيد الحياة الى الاقتصاد التونسي, وينقذه من جمود وتعثر مشهود خلال حكم “الاخوان المسلمين” او “النهضة” بحسب التسمية المحلية.
وكان الرئيس التونسي المقبل. يرد بذلك على وعود انتخابية، لوحت بها النهضة، وتقضي بالحصول على مليارات قطرية، وربما سعودية باعتبار ان الاخوان المسلمين في تونس ينتمون الى الفئة التي تقبل الرياض بالتعاطي معها .
الحاصل ان الاسواق الدولية، لم تفرج عن الميارات الموعودة، بسبب عدم ثقتها باستقرار الاوضاع في تونس. في حين ان تراجع اسعار النفط، فضلا عن حرب اليمن، والحرب على الارهاب، قللت من فرص الرهان على المليارات الخليجية التي ينبغي استبعاد الامارات منها، لان الرئيس السابق المنصف المرزوقي وقادة الاخوان، يشنون حملة منهجية ضد هذا البلد على قاعدة سياسته النقدية ازاء التيار الاخواني وبالتالي يصعب ان تلوح ابو ظبي بالتدخل المالي لحل الازمة التونسية في مثل هذه الاجواء المشحونة بالتصريات النارية.
واذ تمتنع المصادر التي يمكن الرهان عليها، عن نجدة الحكومة التونسية، راهن البعض على الدول الغربية، التي وعدت بالا تترك الديمقراطية الوليدة عرضة للفشل عبر الارهاب او البطالة الاقتصادية. سوى ان وعودا من هذا النوع ، ظلت طي الحواسيب الغربية حتى اذا ما انفجر الموقف في القصرين، تنبه الرئيس هولاند الى خطورة الوضع ووعد بتزويد الباجي قائد السبسي بمليار دولار وهو مبلغ لا يكفي لحل مشكلة البطالة في مجمع للقرى التونسية فما بالك بحل مشكلة حوالي 18 بالمئة من العاطلين عن العمل في هذا البلد وبعضهم بل ربما ثلثهم من حملة الشهادات الجامعية.
واذا ما تخلف الغربيون والقطريون عن نجدة الاقتصاد التونسي. كان لا بد، لحكومة السبسي الاولى ان تحل المشكلة ليس فقط بالموارد التونسية، وانما ايضا باقل منها، وذلك بسبب الكارثة السياحية التى حلت بالبلاد ،اثرالعمليات الارهابية على الشاطيء التونسي وفي متحف باردو. وبما ان موارد هذا البلد تاتي بجزء كبير منها من السياحة ،ومن استضافة الشركات والمحترفات والمصانع الاوروبية، فكان ان تاثر هذا القطاع بالفلتان الامني وحرم البلاد من قسم معتبر من مواردها الاقتصادية فبات لدى الحكومة وسائل اقل في التصدي لافة البطالة وصار من المنتظر ان تفضي هذه الازمة الى عدم الاستقرار في تونس .
كان يمكن لهذه الازمة ان تظل محدودة، وان تعالج بتسوية على الطريقة التونسية، خصوصا ان الجنوب التونسي لا يعاني من مشكلة بطالة حادة ، وربما السبب يعود الى كونه مدخلا لمئات الالاف من الليبيين الذين يتبضعون خارج حدودهم، وبالتالي فهي اي البطالة محصورة في مدن الداخل والوسط وليست عامة. بيد ان التغيير الحكومي الاخير جاء ليصب الزيت على النار لسببين كبيرين الاول هو السعي لطمانة الاسواق عبر تعيين وزير خارجية كان ديبلوماسيا سابقا في اسرائيل ووزيرة سياحة لم تخش التطبيع مع الدولة العبرية ولكي تطمئن الخليجيين ،الغت اتفاقا للسياحة مع ايران، وكل ذلك في وقت زمني قصير. والسبب الثاني يكمن في وعود كاذبة، اطلقها محافظ القصرين للعاطلين عن العمل، فكان كمن يصب الزيت على النار هذا اذا ما اضفنا الى هذين السببين مناخ التوتر المنتر في شمال افريقيا مع تمدد داعش واحتلالها مواقع هامة في الهلال النفطي الليبي .
اضف الى ذلك كله الازمة الطارئة في الحزب الحاكم، الذي فقد الكثير من اعضائه والى انحسار حركة النهضة عن واجهة المسؤوليات، لضمان فرصتها كي تكون البديل المتوقع للحكومةالفاشلة، التي تبدو مترنحة ما لم ينجدها الاوروبيون بمعجزة من مليارات الدولارات .
اغلب الظن ان الحل الامني الذي اعتمدته الحكومة لمواجهة العاطلين عن العمل، هو من النوع الذي يفاقم من مخاطر انفجار الوضع، لانه يذكر بحكومة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ويمكن ان يثبت الاتهام على اعضاء الحكومة بان القسم الاكبر منهم ينتمي الى نومانكلاتورة الرئيس السابق.
يفض ما سبق الى ان صورة الوضع التونسي هذه الايام ، اشبه بصفيح ساخن ، اجتمع على سطحه الزيت والبارود وتضافرت عناصر الانفجار الذي يحتاج الى صاعق بل يبالغ بعض المعلقين بتحديد مهلة ايام للانفجار وهو امر غير مؤكد رغم كونه محتملا. فالحل او على الاقل تاجيل الانفجار يمكن ان يتم بمليارت انقاذ اوروبيةعاجلة ، وباجراءات على الطريقة الجزائرية تتيح تشتيت كتلة العاطلين عن العمل التي تشكل منفردة اكثر من 80 بالمئة من الازمة، وبالتالي اعطاء كتل منها، موازانات وقروضا للعمل الحر او المشاريع الخاصة، بيد ان ذلك لن يكون كافيا، اذا ما تدخلت الكتل السياسية التونسية لتجعل من هذه الازمة فرصة للاطاحة بالرئيس السبسي ،وهنا يكون الحال اشبه بظروف الاطاحة بالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة اواقله بحمله على تشكيل حكومة تعايش بين المولاة والمعارضة، وفي هذه الحالة يزداد ضعفا على ضعف وتنحسر اماله باكمال ولايته الرئاسية.
كانت تونس حتى الامس القريب تقدم بوصفها الاستثناء الوحيد في الربيع العربي، الذي نجا من العنف. فاذا بها تقف على خطوات من مرجل اجتماعي اكتمل غليانه، في ظل سلطة نهضوية فاشلة وحكم “النداء ” الارتجالي وعندما يفشل قطبا السلطة في هذا البلد فانهم لا يتركو لاهله غير الحنين الى الماضي والارتياب من حكامه رغم الاستبداد والقمع والفئوية والفساد .
ما من شك ان لا ديمقراطية بلا امن ولا كرامة بلا عمل واذيخسر التونسي الامرين فلن يتردد ابدا من القفز في الفراغ .
انتهى .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s