مقالي الاسبوعي ……”الراس التركي ” يعود الى الحلبة الاوروبية

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/2ab4a0a8-df73-4a7f-a88a-4f8fe689f846

.
فيصل جلول
اخذت الديون اليونانية الاتحاد الاوروبي الى ازمة غير مسبوقة فكان عليه اما التخلي عن اثينا او الخضوع لمطالبها. في الحالة الاولى كان سيسجل سابقة خطيرة تجعل مصيره مختلفا عن ذي قبل وفي الحالة الثانية كان يمكن ان يغري اخرين بالسير على الخطى اليونانية وبالتالي يضعف ويفقد جاذبيته. طرحت اسئلة عديدة حول مصير الاتحاد وحول قدرته على مواجهة مشكلتين او ثلاثة من الطبيعة نفسها في وقت واحد وانتشرت رهانات اكسترا اوروبية سواء من طرف كارهي الاتحاد والمتضررين منه او اولئك الذين راهنوا عليه جزئيا شأن بريطانيا.
ما ان انتهى من ضبط ازمة الديون اليونانية حتى فاجات الاتحاد الاوروبي ازمة اللاجئين المتدفقين من الشرق الاوسط وافريقيا فبدا مرة اخرى مرتبكا وعاجزا عن ايجاد الحلول المناسبة لمشكلة تكبر يوميا ولا يبدو ان حلولها ميسرة لكن مرة اخرى ايضا استطاع الاوربيون ضبط اطار المشكلة في قمتهم الاخيرة في بروكسيل ليتضح ثانية ان الاتحاد رغم ضعفه وتشتته وتساهله الظاهر يخفي باطنا صلبا ووسائل فعالة في معالجة مشاكل عصية على الحل.
ان التسوية التي تمت حول مشكلة الديون اليونانية بين حكومة تسمبراس والثنائي الفرنسي الالماني وما تلاها من تطورات انتخابية في اليونان لصالح التسوية يمكن ان تعد انتصارا للاتحاد الاوروبي وهي تعكس قدرته على حل مشاكل الاندماج المستعصية رغم ان الحل لا ينطوي على ضمانات جديدة بالنسبة لمستقبل الادارة الاقتصادية للمشكلة اليونانية وبالتالي لا بد من الانتظار لبعض الوقت لمعرفة ما اذا كانت هذه التسوية دليلا على المزيد من الصلابة والقوة والاندماج في الاتحاد الاوروبي او دليلا عن فيضان بعض المشكلات عن قدرة الاتحاد ووسائله في التصدي لازمات دوله.
القت الازمة اليونانية الضؤ على حدود الاتحاد الاوروبي الشرق اوسطية باعتبار اليونان دولة اساسية في موقعها والاقرب الى الشرق الاوسط وايضا على العلاقات داخل الحلف الاطلسي وبين الحلف والاتحاد الاوروبي بسبب الصراع التاريخي بين اليونان وتركيا حول قبرص والتوتر الحدودي بين البلدين والنزاع حول مصادر الطاقة في منطقة التوتر.
لقد بدت تركيا في الازمة اليونانية كما في قضية اللاجئين لاعبا من الصعب تجاوزه اذ تجنبت في الحالتين اتخاذ مواقف “شمشونية” مؤذية للاتحاد وان كانت ضاغطة في حال اللاجئين من اجل تحقيق مصالح الاتراك وفي الحالتين يبدو ان انقرة سجلت نقاطا مهمة .
في ازمة الديون اليونانية اعتمر اردوغان خوذة الاطفائي فلم يرفع الصوت حول الخلافات الحدودية بين البلدين ولم يبتز المعنيين في اثينا وقبرص وبروكسيل بل بادر الى تقديم خدماته الى اليونانيين عبر بزيارة تاريخية الى اثينا رافقه فيها عشر وزراء و400 رجل اعمال عرض خلالها على اليونانيين مساهمة تركية في حل ازمة ديونهم.
وعلى الرغم من ان الزيارة لم تفض الى تقدم يذكر في علاقات البلدين الا انها طرحت تركيا في الاوساط الاوروبية ك قوة اقليمية مسؤولة لا تصب الزيت على النار في ازمة خطيرة كالازمة اليونانية . وذلك بخلاف قضية اللاجئين التي استخدمها اردوغان ورقة ضغط ظاهرة على الاتحاد الاوروبي علما ان موجة اللاجئين الى اوروبا وافدة بقسمها الاعظم من تركيا وربما بتسهيل وبمعرفة السلطات التركية والراجح ان الزعيم التركي كان يريد من ذلك القول لجيرانه الاوروبيين انه لا يستطيع ان يتحمل طويلا عبء اللاجئين السوريين و الاكراد والعراقيين وان نتائج الحرب في سوريا والعراق جديرة بالتقاسم بين الطرفين الشريكين في الاطلسي ولعله بلغ ما يريد.
ان تصريح انجيلا ميركل الاخير القاضي باستئناف المفاوضات المجمدة حول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي هو من اثر قضية اللاجئين التي طغا نهاية الاسبوع الماضي على اعمال قمة اوروبية بلقانية قررت انشاء مئة الف مركز استقبال في اليونان وفي البلقان واستندت الخطة الجديدة الى حسن التعاون مع تركيا لمواجهة هذه الموجة من تنقل السكان التي لا مثيل لها في تاريخ اللجؤ الى القارة العجوز.
والملفت في قضية اللاجئين امتناع العواصم الاوروبية عن توجيه اصابع الاتهام الى الحكومة التركية علنا على الاقل وبالتالي تجنب التصعيد في قضية معقدة تتحمل اوروبا مسؤولية اساسية فيها ليس فقط عبر شراكتها مع تركيا في ملفات المنطقة وانما ايضا بسبب الدور الاوروبي المنفرد في الحرب الليبية والذي ادى الى تفريغ هذا البلد من سلطاته و تحويله الى دولة فاشلة تستقبل اللاجئين وترسلهم الى اوروبا بل الى حيث يريدون.
يفضي ما سبق الى خلاصة مفادها ان اوروبا التي تبدو مترهلة وعاجزة عن ضبط ازماتها لم تتراجع يوما و لم تهزم في مواجهة اي منها وبخاصة قضية الدستور الموحد وازمة الاسواق المالية واحتمال خروج بريطانيا من الاتحاد وازمة الديون اليونانية وصولا الى قضية اللاجئين.
بالمقابل تبدوتركيا التي نصحت بان تطوي حلمها الاوروبي عصية على التهميش على حدود القارة الثرية فمن جهة تتصرف كقوة اقليمية مسؤولة كما راينا في ازمة الديون اليونانية ومن جهة اخرى تبتز الاوروبيين بقضية اللاجئين للقول انها لاعب مسؤول عندما يقتضي الامر سياسة عقلانية وطرف لا يمكن تهميشه في معركة مشتركة تستدعي تقاسم النتائج كما هي الحال في قضية اللاجئين.
في فرنسا كان الناس في القرن التاسع عشر يمارسون لعبه اسمها ” الرأس التركي” وتقضي بتوجيه لكمات لمجسم راس مشورب يحمل ملامح تركية حتى يتفوق لاعب على اخر في عدد وقوة اللكمات التي تتجمع كلها على الراس التركي المسكين.. كان ذلك في اواخر العهد العثماني المتهالك .. اما اليوم ف “الراس التركي” يراهن على ادخال 80 مليون مسلم الى قارة متخمة الثراء وقد لا يكون بعيدا عن الفوز برهانه وان فعل قد يغير وجه اوروبا .
انتهى .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s