فساد السلطة الرابعة في فرنسا ,,,,, مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/2bf56c3a-711b-4c83-bc46-d66cc012ba9a

فيصل جلول
تعيش فرنسا هذه الايام على وقع فضيحة بجلاجل بطلها اعلاميان مشهوران. فقد نشرت وسائل الاعلام تفاصيل شنيعة عن لقاء تم في احد فنادق العاصمة بين احد محامي العاهل المغربي المللك محمد السادس والصحافيان اريك لوران وكاترين غراسييه حيث تسلم الثنائي 80 الف يورو هي دفعة اولى من مبلغ 3 مليون يورو كان ينبغي ان يدفع لهما مقابل التخلي عن نشر كتاب استقصائي اعداه عن العرش المغربي.


وعلى الرغم من التفاصيل الموثقة التي نشرت حول القضية فان لكل من الطرفين وجهة نظره. فالراوية المغربية التي نقلها محامي الملك محمد السادس تقول ان لوران ورفيقته ابتزا المغرب بالقول انهم يملكان معلومات خطيرة عن العرش ستنشر في كتابهما الذي سيصدر في كانون الثاني ـــــــ يناير القادم ويمكن ان يمتنعا عن النشر اذا ما دفع العرش الملكي 3 مليون يورو.
بالمقابل يروي الصحافي لوران العكس تماما اذ يقول انه اتصل بمكتب الملك محمد السادس كمصدر للمعلومات وذلك للتحقق من تفاصيل بحوزته والحصول على رد رسمي يؤكدها او ينفيها وهذا النوع من الاجراءات يعتبر كلاسيكيا في المهنة ويضيف لوران ان محامي العاهل محمد السادس هو الذي عرض عليهما التخلي عن الكتاب لقاء 3 مليون يورو مشترطا ان يحصل ايضا على هوية مصادر الصحافيين اللذين رفضا كشف الاسماء و لم يرفضا العرض الذي خطط له ان ينفذ عبر كمين محكم تحت اعين وبصر الشرطة الفرنسية التي القت القبض على الصحفيين فور اتمام الصفقة حيث تسلم لوران قسما من المبلغ لقاء عقد وقعه بالتخلي عن النشر.
الواضح ان الروايتين تختلفان حول طبيعة ما حصل فهو ابتزاز وشانتاج بالنسبة للعرش المغربي وهو صفقة تمت بارادة الطرفين ودون ابتزاز بنظر الصحافي لوران وهذا يعني ان الاعلامي الشهير باع معلومات استقصائية يعتبرها مضرة بالسلطة المغربية الى المتضرر في حين انه جمعها من اجل اخبار الراي العام عن تفاصيل مفيدة له وتنير نظرته للمملكة .
تبدو القضية بغض النظر عن زاوية عرضها عنوانا بارزا لفساد في السلطة الرابعة في فرنسا وهي حظيت بتعليقات قاسية من نوع ان شرف الاعلام الفرنسي قد تلوث بالوحل وطرحت على هامشها اسئلة اخرى من نوع : كم هو عدد الكتب والتحقيقات التي لم تنشر في فرنسا عن زعماء دول في العالم الثالث لقاء صفقات ناجحة وغير مكشوفة بين المعنيين ؟ ما يعني ان قضية لوران هي راس جبل الجليد المكشوف والذي يفصح عن ظاهرة فساد كبيرة في اروقة السلطة الرابعة في هذا البلد .
ولعل السؤال المحرج هو كيف يمكن مكافحة الفساد في اجهزة اعلامية تملك حصريا سلطة الكشف عن الفساد في اجزهة الدولة والمجتمع. بعبارة اخرى عندما تكون سلطة الشكف عن الفساد في السلطات الاخرى هي نفسها فاسدة فهذا يعني ان عمر الفساد طويل جدا وان سلطة الفاسدين صارت اقوى من كل السلطات .
حتى الان كان الصحافيون يتضامون بقوة مع زملائهم الذين يتهمون بقضايا رشوة او عندما ترفع ضدهم دعاوى ظالمة بسبب عملهم الصحافي وحتى هذه اللحظة لم تشذ وسائل الاعلام عن القاعدة فقد نشرت صحيفة “لوموند” العريقة مقابلة مطولة مع اريك لوران برر فيها ما حصل بطريقة مخففة ودافع عن نفسه بقوة دون تدخل من الصحيفة وكذلك فعلت شريكته كاترين غراسييه في صحيفة لوباريزيان ما يعني ان السلطة الرابعة لا تحب من يدوس على اطرافها من ممثلي السلطات الاخرى وان التضامن سيد الموقف في هذا المجال حتى اشعار اخر لكن ماذا عن ثقة الراي العام بالاعلام والاعلاميين وهل تؤدي فضيحة من هذا النوع الى ااهتزاز ثقة الناس باعلامييهم؟
اهتزاز الثقة يهبط ويعلو في هذا الوقت وفي كل الاوقات وذلك لاسباب عديدة اهمها قدرة الراي العام على الافادة مباشرة من وسائل التواصل الاجتماعي التي حولت القاريء الى ناشر وقاريء في الان معا واتاحت ضخ كميات هائلة من الانباء دون قيود كتلك التي ميزت وتميز عمل المؤسسات الاعلامية التي تلتزم كل منها بسياسة تحريرية خاصة.
ومن بين الاسباب الاخرى سيطرة الاسواق المالية على وسائل الاعلام التي صارت الى هذا الحد او ذاك امتدادا للسلطة المالية فالشركات الكبرى حرصت على الدوام على مد نفوذها الى السلطة الرابعة للجمع بين السلطتين وبالتالي ممارسة تاثير عليها في مناسبات تشكيل السلطة السياسية حيث يتدخل الممولون لترجيح كفة طرف على طرف او مرشح على مرشح.
ومن المفيد التذكير بضعف وتراجع الصحافة الاستقصائية التي صنعت مجد السلطة الرابعة وذلك اما بسبب تدخل وسائل التواصل الاجتماعي في مجالات الاستقصاء والتحقيق الموثق واما بسبب الكلفة الباهظة لمواد الاستقصاء في وقت طالت فيه مهل عصر النفقات في وسائل الاعلام واما بسبب قدرة ممثلي السلطات الاخرى وبخاصة الاقتصادية على التدخل الوقائي لمنع التحقيق في هذا الباب او ذاك فضلا عن اعتبارات الفساد والرشوة والابتزاز.
ثمة من يعترض على هذا التوصيف بالحديث عن لوائح الشرف التي تلزم الصحافيين وعن قيم المهنة الاخلاقية وعن وجوب التصدي لمغريات الرشوة والافساد. الاعتراض مشروع و ليس خاطئا لكن المشكلة ان قلة تلتزم بهذه القيم التي ميزت اصلا اريك لوران المعروف بجديته واحترامه في الوسط الاعلامي وبخاصة لجهة علاقاته مع العرش المغربي فقد اصدر قبل عامين كتابا بعنوان “العرش المفترس” كانت له اصداء واسعة لكن قيمه الاخلاقية انهارت كما راينا امام سلطة 3 مليون يورو.. تبقى اشارة الى ان الثنائي لوران وغراسييه سيستانفان نشر الكتاب الذي تسبب بالفضيحة ومن غير المستبعد ان يربحا مئات الالاف وقد يصل الرقم الى المليون او اكثر وفق قاعدة ” رب ضارة نافعة “

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s