مخاطر الحديث الفرنسي عن حرب الحضارات …. مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/4bdb7950-6aad-4d3a-b61a-dd0941e500b
فيصل جلول
” لا يمكننا ان نخسر هذه الحرب لانها في عمقها حرب حضارات ندافع عبرها عن مجتمعنا وعن قيمنا وعن حضارتنا “بهذه العبارة لخص ايمانويل فالس موقف حكومة بلاده من العملية الارهابية التي وقعت في احد مصانع منطقة ليون الفرنسية وكادت ان تتسبب بكارثة كبيرة . وكان قد مهد لهذا الحديث بالقول حرفيا ” يجب ان نتملك الجرأة في استخدام الكلمات الي تفرض نفسها في مثل هذه الحالات” ما يعني ان حديثه عن حرب الحضارات ليس عفويا ولا زلة لسان يمكن التراجع عنها وكانها لم تكن .


موقف فالس من هذه العملية يتناقض تماما مع موقفه من عملية ” شارلي ايبدو” التي تسببت بمجزرة حقيقية في فريق عمل الصحيفة الفرنسية الساخرة وحملت قادة من العالم على التظاهر احتجاجا في شوراع باريس . يومها قال ان بلاده تخوض حربا مع الارهابيين وليس مع المسلمين. ولوحظ انه كان يرد في حينه على الرئيس الفرنسي السابق نيقولا ساركوزي الذي تحدث عن “حرب حضارات” فاثار حديثه موجة من السخط لدى كل الاطراف بما في ذلك التيار الديغولي الذي ينتمي اليه. معلوم ايضا ان حديث حرب الحضارات استخدمه الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الابن وقيل انه ثمرة بحث قدمه البروفسور صامويل هنتنغتون عام 1996 في جامعة هارفرد وتحدث فيه عن نهاية حرب الاديولوجيات وبروز صراع الحضارات بين الاسلام والغرب معتبرا انه مثلما وقعت حرب باردة على اساس ايديولوجي ستقع حرب حضارات على اساس ديني. وهذه ليست المرة الاولى التي يذهب فيها السيد فالس بعيدا في نظرته لللاسلام فقد تحدث من قبل عن الاسلام الفاشي مضفيا الشرعية على ارهاب ينكره القسم الاعظم من المسلمين.
ولعل الوجه الاخطر لهذا التصريح يكمن في تطابقه مع تعريف منظمة “داعش” للصراع بوصفه صراعا ” بين الاسلام والغرب” اذن يمكن في هذه الحالة تعيين الارهاب ممثلا للحضارة الاسلامية ووضع المسلمين بتصرفه وبالتالي خوض الحرب ضدهم بوصفهم جنودا في خلافة داعش ما يعني ان ما فشل التنظيم في بلوغه عبر القتل والترهيب يتيحه فالس بمقابلة تلفزيونية ومن قبله الرئيس ساركوزي وقبلهما الرئيس الساذج بوش الصغير.
مدركا لهذه الابعاد في تصريحه حاول مساعدو فالس في قصر الاليزيه تفسير ” حرب الحضارات ” بطريقة متفارقة للقول ان الارهاب يضرب المسلمين ايضا بل هم ” اول ضحاياه” وان هذه الحرب يجب ان تخاض داخل الحضارة الاسلامية نفسها بين المؤمنين بالحضارة الحديثة والقيم الديمقراطية وبين الارهابيين. بمعنى اخر يريد فالس ان يربح ” حرب الحضارات” بعمقها الديني بواسطة غالبية المسلمين التي تناهض الارهاب والعنف الامر الذي يذكرنا بالفترة الكولونيالية البغيضة التي ما زالت تلهم بعض الساسة في الغرب وتغريهم بالعودة الى الوراء.
يبقى ان كلام فالس افضى الى تفكيك وحدة الموقف السياسي من هذه القضية في الوسط السياسي الفرنسي هذه الوحدة التي نشأت على اثر مجزرة شارلي ايبدو. فقد اكد الامين العام للحزب الاشتراكي ان المتعصبين الاسلاميين هم من يسعى لهذه الحرب وان فرنسا تطمح الى “التعايش بين الحضارات” ونفى النائب الاشتراكي باسكال شيركي اتفاق الحزب مع فالس بقوله ان هذه “المقولة” موروثة من الرئيس الامريكي وما كان ينبغي تبنيها. ووافقه النائب الاشتراكي ايضا جوليان دراي الذي اعتبر ان المسلمين ضحايا داعش ولا يجوز تحميلهم وزر حرب هذا التنظيم.
من جهة ثانية ايد ممثلو الجبهة الوطنية المتطرفة تصريحات فالس التي لا قت استحسانا ايضا لدى التيار الجمهوري الذي يضم الديغوليين وحلفاءهم وطالبت التيارات اليمينية بغلق 90 جامعا سلفيا في فرنسا معتبرين ان الارهابيين يمكن ان يتم تجنيدهم عبر هذا النوع من المساجد.
بالمقابل حمل فرانسوا بايرو ممثل تيار الوسط على السيد فالس كما حمل من قبل على جورج بوش بقوه معتبرا ان الحرب التي يجب ان تخاض هي حرب الحضارات المتحدة ضد البرابرة والمتوحشين وليس على الاسلام والمسلمين.
لكن ماذا عن هذه الحرب وكيف يمكن وضع حد للارهاب في فرنسا حتى لا يستمر لسنوات طويلة من الان وصاعدا كما توقع الوزير االفرنسي الاول؟ الجواب يكمن في اطروحات اخرى غير اطروحة فالس اذ من الصعب القضاء على الارهاب بدون اغلاق ملف الدول المحتربة التي ياتي منها او التي يستند اليها والمقصود بذلك سوريا والعراق وليبيا علما ان هذه الدول كانت قبل الحروب التي اندلعت فيها او شنت عليها من الخارج تلعب دورا مهما في شبكة الامان الاقليمية ضد التنظيمات الارهابية.
ولا يمكن الانتصار في هذه الحرب الا عبر تجفيف منابع الارهاب وضبط مموليه والامتناع عن استخدامه او الافادة منه ضد خصوم الغرب في البلدان المذكورة بمعنى الافادة منه تكتيكيا لتصفية حسابات مع اعداء مشتركين ولا يمكن ايضا الرهان على اجتذاب بؤر الارهاب للشباب الذين يتسببون باوجاع الراس في اوروبا والقول ان وجودهم في سوريا والعراق واليبيا افضل من وجودهم حيث هم في ضواحي البؤس.
ولا يمكن القضاء على الارهاب الا عبر تعيينه على راس اولويات الدول التي يتهددها ولنا في ذلك مثال من الفترة الاولى من الحرب ضد الارهاب بعد 11 سبتمبر حيث تم تفكيك الشبكات وتصعيب تمويلها والحد من حركتها ولم تستعد الحركات الارهابية زمام المبادرة الا بعد غزو العراق والظلم الذي لحق باهله وبالتالي استخدام الحرب على الارهاب لتحقيق مارب اخرى.
ليس الارهاب خطيرا الا عندما تتعذر وسائل مجابهته وهو في الحالة الراهنة ليس عصيا على الهزيمة شرط ان تكون الحرب ضده عادلة وشريفة وعالمية وصادقة بالمقابل سيشهد الارهاب ازدهارا غير مسبوق اذا ما جعلناه ينطق باسم الحضارة الاسلامية كما فعل الوزير الفرنسي الاول مانويل فالس في حديثه عن حرب الحضارات السيئة الذكر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s