حلم “الباب العالي” تبدده الاصوات الكردية …. مقالي الاسبوعي

فيصل جلول.
لا بد ان تكون الحال العصبية للرئيس رجب طيب اردوغان قد اجتازت ارقاما قياسية جديدة بعد ظهور النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التركية.فقد راى بام العين حلما “سلطانيا” ينهار كقصر من كرتون كاد ان يصل اليه لولا اختراق كردي مفاجيء توج بثمانين نائبا في البرلمان المنتخب بزعامة صلاح الدين دمرتاش.
سيناريو الانتخابات التشريعية لحزب العدالة والتنمية كان واضحا لمن يرى ويسمع وقد انعقد حول تعديل دستوري يغير نظام الحكم من رئاسي اقرب الى النظام الايطالي الى رئاسي اقرب الى النظام الروسي يتمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة تقربه من مكانة ” الباب العالي ” في النظام العثماني. وكان من المنتظر ان يوفر له هذا التعديل فرصة تولي الحكم لولاتين كل منها 7 سنوات كما كانت الحال في دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة السابق اي ما يقارب 14 عاما تضاف الى عام خلال النظام القديم وعشرة اعوام قضاها في رئاسة مجلس الوزاراء كلاعب اول فيكون المجموع اكثر من ربع قرن اي ما يشبه فترة رئاسة حكام عرب تدخل اردوغان لخلعهم عن كراسيهم في ظل نفاق ديمقراطي موصوف.


ومن مهازل القدر ان يكون مسرح هذا السيناريو قد اعد بعناية منذ مطالع العام الجاري حيث افتتح ” الباب العالي” المفترض قصره “الابيض” الذي اراده رمزا لحكمه وهو الاكبر في العالم إذ يضم الف غرفة افتتحه بطريقة احتفالية اشبه بالستالينية الامر الذي اصاب شطرا مهما من مواطنيه بالهلع اذا ما قيض له التعديل الدستوري وبالتالي الحكم بشروطه وليس وفق اللعبة الديمقراطية التي حملته الى الحكم.
حتى يصل الى هذا الهدف كان اردوغان يحتاج الى ثلثي عدد النواب اي حوالي 350 برلمانيا فحصل على 258 وبالتالي فشل مرتين الاولى في عدم تحصيله الاغلبية المطلقة لتشكيل حكومة ومنحها الثقة والثانية لابتعاده كثيرا عن اغلبية الثلثين من اجل التعديل الدستوري. فكيف ولماذا سقط من عل وماذا بعد السقوط؟
الكيفية والاسباب ليست معقدة فقد راكم رئيس الوزراء التركي اخطاء خارجية وداخلية فادحة. في الداخل ما عادت سياسته الاقتصادية جذابة وهي علة صعوده فقد ارتفعت البطالة الى مستويات عالية جدا ولم ينطلق النمو كما كان يامل وبدات بوادر التضخم تؤثر سلبا على الليرة التركية وعلى القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود الذين حملوه الى الحكم مظفرا قبل 12 عاما.
وعلى صعيد اخر همش اردوغان الجيش واضعف السلطات القضائية وضغط على الحريات وسجن السجن مئات الصحافيين وطهر حزبه من مركز قوة ممثلا بفتح الله غولين فبدا مثيرا للتحفظ والحذر جراء تصديه وقهره لكل السلطات المضادة التي تعترض طريقه ولعل هذا القهر هو المسؤول عن انحسار شريحة هامة من الناخبة عن حزبه.
اما على الصعيد الخارجي فلم يبلغ ايا من اهدافه المرسومة في سياسة صفر مشاكل في محيط بلاده .فهي غارقة في الحرب السورية والعراقية مع ما ينجم عن ذلك من نتائج سلبية بالنسبة لملايين النازحين الذين يحتاجون الى الرعاية والادارة والمراقبة وتسؤ اكثر فاكثر علاقات تركيا مع مصر بسب اصراره على تبني قضية الاخوان المسلمين وتزداد سؤا مع المغرب الاقصى وتقابل بالاستياء في ليبيا جراء تاييده للاخوان الليبين فضلا عن شكوك جدية حول دعم الجهاديين اما علاقاته مع اسرائيل فهي مازالت متوترة الامر الذي يغضب حلفاء تركيا الغربيين الذين يعتبرون الدولة الصهيونية طفلامدللا لا يجافى ولا يقاطع خاصة من دولة اطلسية. وفي العالم العربي اختار ادارة التحالف مع دولة صغيرة ثرية متسببا بمشاكل عويصة مع الدول الاخرى وفي القضية الارمنية لم يتقدم خطوة واحدة بل تمكن الارمن من تحويل مئوية قضيتهم الى مضبطة اتهام صارخ ضد الدولة التركية الحديثة بوصفها وريثة للسلطنة العثمانية التي ارتكبت في ظلها مجازر الارمن. واخيرا لا يكاد يتقدم خطوة في علاقاته مع طهران حتى يتراجع خطوتين.. ان اضافة الاخطاء في سياسة الرئيس التركي المحلية الى الاخطاء الفادحة في سياسته الخارجية تفسر الى حد كبير الاخفاق الاول في استحقاقاته الانتخابية المظفرة وغير المنقطعة منذ اكثر من عشر سنوات فكيف سيرد على هذا الاخفاق وباية وسائل؟
الراجح انه لم يستوعب بعد حجم الخسارة بدليل ان رئيس وزرائه يكابر ويتحدث عن انتصار حزبي حتى لو لم يكن حكوميا والراجح ان وقت المكابرة لن يطول وسيكون على الحزب ان يصرف النظر عن التعديل الدستوري وان يكتفي بتشكيل حكومة مع طرف او اطراف تقبل بالحكم معه ويقبل هو بالتنازل امامها وهي مهمة عويصة جراء تناقض السياسسات والبعد النفسي الشاسع عن الحكام الائتلافي في عهده. واذا كان حظ الاكراد هو الاكبر في الحكم مع العدالة والتنمية فان الامر يتعدى الحكم الى الاستراتيجية التركية المكرسة للاكراد ويستفاد من عارفين بالشأن الكردي ان حكم الطرفين من شانه ان يمضي الى حكومة متعددة القومية وهو من الكبائر بالنسبة للعلمانيين والقوميين الاتراك وربما الى تسهيل ولادة دولة كردية في شمال العراق وسوريا تحت الوصاية التركية.. بالمقابل ثمة من يظن ان اردوغان لن يقبل هذه النتيجة وسينتظر 45 يوما كما يقضي الدستور بحل مشكلة عويصة من هذا النوع لكي يدعو الى انتخابات مبكرة وفي الحالتين من الصعب ضمان النتائج.
في هذه اللحظات يمكن تخيل حال اردوغان الذي ربما يكون قد اصيب بغليان داخلي في كل مرة كان يشاهد صلاح الدين ديمرتاش يقول لجمهوره ” انا طباخ جيد احضر اطباقا لذيذة الطعم واكوي قمصاني بنفسي واعتني ببنتي عندما تكون زوجتي مشغولة” ربما بهذا الكلام وبهذا التواضع استطاع الزعيم الكردي الشاب ان يقطع على اردوغان احلام العظمة السلطانية مرة واحدة يرجو كثيرون ان تكون طويلة.

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/ae8461fb-27d6-4665-9c29-b341fa267893

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s