الربيع العربي اذ يطيح بالوحدة اليمنية ويؤسس لصراع يمني ــــ يمني طويل المدى عبر نظام من ستة اقاليم

عبدالله دوبله ـ صنعاء ـ

16 FEVRIER 2014

تحت حجة التوزيع العادل للسلطة والثروة، بدأت فكرة “الأقلمة” في اليمن بعد الوحدة في العام 1990 بين شطريه الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية التي أعلنت 1962 بعد ثورة على الإمامة)، والجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية 1967 بعد الاستقلال عن بريطانيا(.

غير أن أزمة 1994، بين شريكي الوحدة والسلطة، حزب المؤتمر الشعبي العام الذي كان يحكم الشمال، والحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يحكم الجنوب قبل الحرب الأهلية في صيف 94، استدعت الفكرة “الأقاليم” إلى وثيقة العهد والاتفاق التي وقعتها الأطراف اليمنية في العاصمة الأردنية عمان برعاية الملك الراحل “الحسين بن طلال، لكنها انهارت بفعل الحرب.

بعد حرب صيف 94، ظل الحزب الاشتراكي اليمني الذي خرج من السلطة هو من يدعو إلى إعادة صياغة الدولة، بحجة أن دولة الوحدة كانت قد انتهت بفعل الحرب، وكان يدعو إلى حق تقرير المصير للجنوب، أو إعادة بناء الدولة على إقليمين على حدود دولتي الشمال والجنوب اللتين اندمجتا في دولة الوحدة.

في 2008، أقرت بقية الأحزاب المعارضة المنضوية مع الاشتراكي في تحالف “اللقاء المشترك” (الاشتراكي، الإصلاح، الناصري، الحق، اتحاد القوى، البعث السوري)، الفكرة في وثيقة الإنقاذ “وثيقة إصلاحية إطارية لأحزاب اللقاء المشترك في 2008″، لكن ضمن خيارات عده تبدأ من فيدرالية الأقاليم من إقليمين إلى خمسة أقاليم، وانتهاء بالحكم المحلي كامل أو واسع الصلاحيات للمحافظات على تقسيمها الإداري القائم، 21 محافظة.

 فيما كان المؤتمر الشعبي العام الحاكم، حزب الرئيس السابق علي عبدالله صالح، يطرح فكرة الحكم المحلي واسع الصلاحيات، ضمن مصفوفة من الإصلاحات التي كان يقترحها.

في ثورة فبراير/شباط 2011 اليمنية، كانت الفيدرالية أحد الخيارات المطروحة سياسيا، ليتقدم صالح بمبادرة في مايو/آيار من ذات العام أثناء الثورة بمقترح فيدرالي من خمسة أقاليم ضمن مقترحات أخرى لتفادي الإطاحة به على غرار نظيريه التونسي السابق “زين العابدين بن علي” والمصري الأسبق “حسني مبارك”.

في 2012_ 2013 بعد توقيع التسوية السياسية في الرياض (نوفمبر/تشرين الثاني 2011)، على قاعدة المبادرة الخليجية التي نصت على إجراء حوار وطني شامل، كانت الفيدرالية أحد الملفات المهمة على طاولة الحوار الوطني الذي انطلق في 2013، لتحسم الآن على شكل ستة أقاليم في فبراير/شباط 2014. تحت حجة قديمة في الأجندة السياسية اليمنية وهي التوزيع العادل للسلطة والثروة..

التوزيع العادل للثروة والسلطة، هو العنوان الذي أقرت تحته الفيدرالية، غير أنه عنوان مهذب لمسألة جوهرية وحساسة في اليمن وهي الصراع على السلطة والثروة على مدى تاريخ اليمن القديم والحديث، بحسب ما يراه مراقبون.

ويشير المراقبون إلى أن معرفة التاريخ السياسي الذي أتت منه الدولة اليمنية الموحدة وقبل ذلك دولتا الشمال والجنوب، يمكن من التعرف على طبيعة ذلك الصراع التاريخي على الثروة والسلطة في اليمن، كما أن التقسيم على ستة أقاليم الآن يعكس إلى حد ما تلك الروافد التاريخية للمناطق التي تكونت منها الدولة اليمنية الراهنة.

إلى ما قبل 1990 لم يعرف اليمن دولة سياسية على الحدود التي هو عليها الآن، فاليمن كمفهوم تاريخي هو أكبر من الدولة الراهنة ويشمل كل أجزاء جنوب الجزيرة العربية، بما في ذلك أراض تحت سيادة المملكة السعودية وسلطنة عمان.

غير أن الدول التاريخية التي عرفها اليمن منذ ما قبل الإسلام حتى الآن، لم تكن إحداها تتشكل على الحدود السياسية الراهنة للجمهورية اليمنية إلا في النادر، كان الأصل هو وجود دويلات صغيرة متعددة تتزامن مع بعضها وكل منها على أجزاء معينة من اليمن.

التشكل الحالي في إطار الجمهورية اليمنية بعد 1990 يعود إلى رافدين أساسيين، الأول هو دولة الإمامة التي ورثت الأتراك في الشمال في 1909، ووصلت إلى إعلان الجمهورية في 1962، والثاني هو دولة “الجبهة القومية” التي ورثت السلطنات والمشيخات التي كانت تحت رعاية الإنجليز في الجنوب بعد 1967.

في الشمال كانت هناك ثنائية مذهبية هي “الزيدية والشافعية” في المرتفعات الجبلية المطلة على سهول البحرين الأحمر والعربي مع تلك السهول.. غير أن الإمام يحي بن حميد الدين (أول إمام في الدولة المتوكلية 1909_ 1962) الذي حارب الأتراك منطلقا من المناطق الزيدية تحت هدف بسط سيادته عليها كان عليه أن يخوض معارك داخلية وخارجية ليخرج باليمن الشمالي الذي ورثته الجمهورية بعده.

تلك الحروب هي حرب “الحجرية” (منطقة في محافظة تعز الآن “وسط جنوب”) لبسط النفوذ على تعز الشافعية التي كان يحكمها الأتراك، وحرب البيضاء “شرق” التي كان يحكمها سلاطين مستقلون وهم “شوافع″ سُنة أيضا. وحرب الزرانيق مع القبائل التهامية في محافظة الحديدة الميناء على البحر الأحمر لبسط نفوذه عليها وهم سنة أيضا، و كانوا يخضعون للأتراك، ومنهم الدولة “الادريسية” التي توجد عاصمتها في الأراضي السعودية الآن، وهي الدولة التي تقاسمها الإمام مع آل سعود بعد حرب خاضها معهم في 1926 على تلك الأراضي وهزم فيها، والحرب الخارجية الأخرى هي مع بريطانيا في 1936، ليقبل الإمام بعد هزيمتيه بتلك الحدود بين الشمال والجنوب التي فرضها الإنجليز، مع أن الإمام كان يدعي بأن تلك الأراضي الجنوبية هي من ضمن أملاكه..

في الجنوب حتى 1967 كانت هناك سلطنات ومشيخات عدة تعرف جميعا بالمحميتين الشرقية والغربية في إطار الحماية من قبل بريطانيا العظمى، كانت المحمية الغربية تشمل معظم المشيخات والسلطنات في إقليم “عدن” في التقسيم الفيدرالي الجديد، فيما كانت المحمية الشرقية تشمل سلطنتين في حضرموت، وسلطنة في المهرة و جزيرة سقطرى، وهي الآن تشكل “إقليم حضرموت”، في التقسيم الفيدرالي الجديد.

الجبهة القومية التي قادت التحرير (عن الاحتلال الإنجليزي) هي من قضت بالقوة على تلك السلطنات والمشيخات في الجنوب وأحلت بديلا عنهم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي اتخذت الاشتراكية نظاما لها، ولذا يكون الحزب الاشتراكي اليمني هو سليل الجبهة القومية، ولهذا السبب يعترض على تقسيم الجنوب إلى إقليمين حيث يرى في هذا رجعة تاريخية إلى ما قبل استقلال الجنوب، وهو يتبنى فكرة الإقليمين على الحدود السياسية بين الشمال والجنوب وهو ما يجد فيه الآخرون أيضا تخطيطا من قبل الحزب للانفصال ولاستعادة تلك الدولة التي دخل بها دولة الوحدة.

في تقسيم الأقاليم في الشمال، ما يشير لتلك الخلفية السياسية والمذهبية التاريخية التي تكون منها الشمال أيضا. فإقليم “آزال” وسط على المرتفعات الجبلية الشمالية والذي يضم “صعدة، معقل الحوثيين، وعمران، وصنعاء، وذمار”، هو إقليم زيدي شيعي صرف تاريخيا.. غير أنه الآن لا يحتفظ بتلك الخلفية المذهبية تماما فثمة تحولات مذهبية قد حدثت خلال الخمسين سنة التالية لثورة 1962.

إقليم الجند الذي يضم تعز وإب، هو إقليم سني تاريخي، كما أن إقليمي سبأ و تهامة يضمان التخوم بين المذهبين شرقا على الصحراء، وغربا على البحر الأحمر والتي كانت قد جمعت بينهما تقسيمات إدارية سابقة في إطار المحافظات بعد الجمهورية.

لسنوات ظلت تلك الانتماءات المناطقية والمذهبية التي سبقت تشكل الدولة اليمنية الحديثة تؤثر على صعيد الصراع على السلطة والثروة في اليمن في الشمال والجنوب على السواء، حيث تتهم مناطق مناطقا أخرى بضمها وإلحاقها بها بالقوة، في الشمال على حدة، أو الجنوب على حدة، أو في الدولة الموحدة.

ذلك التاريخ من الصراع بين المناطق وما يخلفه من استئثار بالثروة والسلطة كان حاضرا في تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية الآن على أسس تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية كما أعلن من قبل لجنة تقسيم الأقاليم.

غير أن كثيرين من الساسة والكتاب، لا يزالون يتشككون في جدوى التقسيم الفيدرالي الأخير في معالجة الصراع التاريخي على السلطة والثروة في اليمن. ويرون أن الصراع سينتقل من الصراع في المركز “العاصمة صنعاء” إلى صراع المحافظات في الأقاليم الجديدة التي تتكون منها. حجة هؤلاء، هي أن توزيع السلطة والثروة يوزع الصراع عليهما أيضا.

وكانت لجنة منبثقة عن مؤتمر الحوار الوطني برئاسة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي أقرت، الأسبوع الماضي، تقسيم اليمن إلى 6 أقاليم فيدرالية، إقليمين في الجنوب وأربعة في الشمال.

الأقاليم هي:

1_ إقليم حضرموت “جنوب” ويضم محافظات “حضرموت، المهرة، شبوة”، ج.سقطرى”.. وعاصمته “المكلا” عاصمة محافظة حضرموت الحالية، ويقع إلى الشرق من اليمن و”الجنوب” معا. يجمع بين الهضبة الحضرمية وأجزاء من صحراء الربع الخالي ويمتد على بحر العرب وجزيرة سقطرى في المحيط الهندي.

2_ إقليم عدن “جنوب” ويضم محافظات ” عدن، لحج، أبين، الضالع″ وعاصمته عدن، التي تحتفظ بوضع خاص كعاصمة اقتصادية للبلد، ينظمه الدستور الجديد. ويقع هذا الإقليم إلى الجنوب من اليمن و إلى الغرب في إقليمي الجنوب، وأغلبه سهول منخفضة مطلة على خليج عدن.

3_ إقليم “سبأ” شمال، ويضم محافظات ” البيضاء، مأرب الجوف”،  وعاصمته مأرب، ويقع إلى الشرق من أقاليم الشمال ويمتد على الصحاري الشرقية التي تبدأ من المرتفعات الجبلية باتجاه صحراء الربع الخالي. وعاصمته مأرب.

4_ إقليم “آزال” اسم قديم  لصنعاء “شمال”، ويضم “صعدة، عمران، صنعاء، ذمار” ويقع في الوسط على امتداد المرتفعات الجبلية ذات المذهب الزيدي الشيعي تاريخيا، وعاصمته صنعاء، مع احتفاظ مدينة صنعاء “أمانة العاصمة” بوضع خاص كعاصمة اتحادية، ينظمه الدستور الجديد.

5_ إقليم “الجند” اسم قديم للمنطقة، ويضم محافظتي “إب وتعز″ إلى الوسط الجنوبي للبلاد، حيث الكثافة السكانية الأكبر فيما كان يعرف باليمن الأسفل تاريخيا تمييزا له مذهبيا حيث المذهب الشافعي السني. وعاصمته مدينة تعز.

6_ إقليم “تهامة” اسم قديم للمنطقة، ويضم المرتفعات الجبلية الغربية مع السهل الساحلي المطل على البحر الأحمر. ويضم محافظات “الحديدة، حجة، ريمة، المحويت”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s