ازمة حكومية مغربية مفتاحها في ” المخزن “…مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f7d19d30-7aea-4d6e-be23-407022214d66

فيصل جلول

” الاسلام ليس  الحل” بحسب عبدالاله بن كيران رئيس الحكومة المغربية المكلف و رئيس حزب “العدالة والتمنية” الذي تنصل من الشعار الشهير للاخوان المسلمين، واكد ان حركته ليست فرعامن فروع التنظيم الدولي وان كانت قد ترعرعت في صفوفه اوعلى هامشه بحسب بن كيران في تصريحات شهيرة اطلقها عام 2012 .

الابتعاد عن “الاخوان المسلمين” ، او التنصل منهم ، سيؤدي من بعد الى الابتعاد عن الحركة في كل مكان  تقريبا. فقد سار على خطى رئيس “حزب العدالة والتنمية”  السيد راشد الغنوشي الذي انكر عضوية حزبه في التنظيم العالمي للاخوان، ومثله فعل ” التجمع اليمني للاصلاح ” في اليمن ، واخرون اختاروا اللحظة المناسبة للابتعاد عن حزب الشيخ حسن البنا الذي قاد الربيع العربي الى فشل ذريع على كل صعيد، حتى صار الاستمرار في الحياة السياسية شرطه الابتعاد عن ” الاخوان “.

بيد ان ابتعاد بن كيران عن اساتذته القدماء، ما كان كافيا لتشكيل الحكومة الائتلافية المغربية منذ تعيينه في اكتوبر ــــــــ تشرين الاول الماضي. فقد فشلت مفاوضاته مع الاحزاب التي لا تعترض على حكمه المحتمل، وامتنع خصمه اللدود حزب “الاصالة والمعاصرة” برئاسة فؤاد عالي الهمة عن التعاون معه، في حين اعلنت اربعة احزاب مستقلة ومتنوعة المشارب عن رفضها مواصلة التفاوض مع  الرئيس المكلف الذي امتنع عن تلبية مطالب حزب” التجمع الوطني للاحرار ” الليبرالي.

خلاصة  المشاروات افضت الى مازق سياسي، لا يبدو ان حله متاحا في ضؤ المواقف السياسية الراهنة. فمن جهة يمتنع الحزب الثاني من حيث عدد الاصوات عن الاشتراك في المفاوضات و واعني بذلك حزب “عالي الهمة ” ، ومن جهة ثانية لا يريد بن كيران اكمال التفاوض مع مجموعة الاحزاب الاربعة المتجمعة  حول التيار الليبرالي بزعامة عزيز الاخنوش، علما ان الاحزاب نفسها اصدرت بيانا عبرت فيه عن استحالة التفاوض مع بن كيران ، الذي وافق مضطرا للتباحث مع حزب “الاستقلال” بعد ان كان  رافضا بحزم، لكن هذه الخطوة لا تكفي  لان  الحصول على الاغلبية في مجلس النواب تستدعي اكثر من حزب واكثر من طرف .

هذا الاستعصاء في التشكيل الحكومي المغربي فتح البلاد على ازمة معقدة، ليست ناجمة فقط عن الفيتوات التي تضعها الاطراف المعنية بمواجهة بعضها البعض فحسب ، وانما ايضا عن غياب حلول اخرى بديلة  بحسب الدستور الجديد، فالملك لا يستطيع تكليف شخصية اخرى  لتأليف الوزارة ، اذ يلزمه الدستور باختيار الوزير الاول من الحزب الذي نال اكبر نسبة من الاصوات في الانتخابات البرلمانية، التي جرت في اكتوبر ــــــــ تشرين اول الماضي وحصل خلالها حزب العدالة والتنمية على اكبر نسبة من الاصوات، ولا يمكن عرفا اختيار شخصية حزبية اخرى من الحزب نفسه، الا اذا كان هذا الحزب هو الراغب في ذلك وحتى الان لا توجد بوادر داخل العدالة والتنمية على اعتماد هذا الخيار.

من جهة ثانية يمكن للملك محمد السادس  اقناع معارضين بتليين مواقفهم، والقبول بالمشاركة في الحكومة العتيدة،  لكنه في هذه الحالة سيكون مضطرا لطلب تنازلات من الوزير الاول المكلف الذي يقول انه وصل في مفاوضاته مع الاطراف المعنية الى  الحد الاقصى من التنازل ولو كان قادرا على التنازل بعد لما احتاج الى تدخل ملكي.

في السياق نفسه يمكن للتفاهم بين بن كيران وفؤاد علي الهمة ان يوفر للحكومة المقبلة الاغلبية البرلمانية المريحة، باعتبار ان حزب ” الاصالة والمعاصرة” فاز بالمرتبة الثانية في انتخابات اكتوبر ــــــ تشرين الاول الثاني لكن هذا الحل يستدعي  طي صفحة خلافات حادة بين الطرفين، وهو امر غير متاح في ضؤ الظروف الراهنة ناهيك عن ان حزب “عالي الهمة ” مقرب من القصر وهذا الامر سينعكس على اداء الحكومة  ما قد يتسبب لحزب بن كيران بمتاعب مع قاعدته.

يفيد ما تقدم ان  الانتخابات النيابية الاخيرة قد افضت الى ازمة حكومية بدلا من تاليف الوزارة وبالتالي   صار الحل الافضل هو العودة الى صناديق الاقتراع، واختيار  مجلس نيابي جديد وحكومة جديدة، الا اذا قرر الملك محمد السادس تشكيل حكومة تكنوقراط متجاوزا الدستور والراجح انه لن يبادر الى خطوة من هذا النوع .

لن تكون العودة الى صناديق الاقتراع ميسرة هي الاخرى  بغياب رئيس للمجلس النيابي الراهن، حتى لو كانت ميسرة سيكون من الصعب ضمان نتيجة للتصويت مناقضة للنتيجة الراهنة الا اذا وقع تدخل من خلف الستار هنا وهناك من النوع الذي يعدل النتائج ويتيح خريطة تمثيل جديدة ومختلفة للقوى السياسية  المغرب .

تبقى اشارة الى  ان قانون الانتخاب المغربي،  ربما يكون المسؤول الاول عن  التفتيت السياسي الذي يلي الانتخابات النيابية فهو لا يتيح انبثاق اكثرية طاغية لتحكم منفردة بدون تحالف مع قوى اخرى ولعل حكمته الوحيدة والمفيدة انه يجبر المعارضة المغربية على  التحالف والائتلاف في ظل حكومة تمثيلية  وبالتالي اتاحة الحكم لاكبر عدد من المنتخبين الذين اختارهم الشعب الامر الذي ينطوي على نوايا حسنة  لكنها لا تعين كما راينا في تشكيل ائتلاف حاكم بطريقة ميسرة.

اذا كان ” الاسلام ليس حلا” بالنسبة ل بن كيران فحزبه ايضا “ليس حلا” لازمة حكومية محاطة باستعصاءات بالجملة ما يعني ان قرار حل الازمة بات في “المخزن” وليس في صناديق الاقتراع.

انتهى

 

 

 

 

 

فصل في “الاستهبال” الديمقراطي … مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7780128c-535b-4eee-a16e-4852115b4871

فيصل جلول
تتعرض الديمقراطيات الغربية لموجة من «الاستهبال» الديمقراطي، إن جاز القول، غير مسبوقة، من الصعب تشخيص كل أسبابها بدقة، لكن مؤشرها الأبرز هو انجذاب مجموعات معتبرة من الرأي العام لوعود مغرية، أو خيالية، أو غير معقولة البتة. ففي بريطانيا قال أحد المرشحين لناخبيه ممازحاً إنه إذا فاز في الانتخابات فسيعمل على توفير الشروط لكي يشتري كل واحد منهم أحدث موديل من سيارة «بي إم دوبليو» الألمانية.
وفي فرنسا وعد «بنوا هامون»، مرشح الحزب الاشتراكي للتمهيديات الرئاسية، بإعطاء راتب قدره 600 يورو شهرياً لكل مواطن، بغض النظر عن دخله، وأنه سيعطي كل شاب بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، راتباً شهرياً يصل إلى 750 يورو. فكان أن فاز في التمهيديات بترشيح حزبه للرئاسيات الفرنسية في الربيع المقبل. من دون أن يشرح للناخبين كيفية تغطية التكلفة المالية الباهظة لهذا الإجراء. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعد ناخبيه الخائفين من إرهاب «داعش»، بمنع دخول كل المسلمين إلى الولايات المتحدة، وكان لكلامه وقع ساحر، فإذا كان الإرهاب يأتي من هذه الفئة من الناس فإن منع أصحابه من الدخول إلى الأراضي الأمريكية يعني صفر إرهاب، حتى ولو كان عدد الممنوعين المفترضين يتجاوز المليار وربع المليار. وبما أن مشكلة الهجرة المكسيكية غير الشرعية إلى الولايات المتحدة، تمثل كابوساً لقسم واسع من الناخبين، فقد وعد ترامب بنصب جدار فاصل بين الحدود الأمريكية – المكسيكية. ومعلوم أن تعديلات قد طرأت على الوعد الأول، حيث منع مواطنون من 7 بلدان مسلمة فقط، من دخول الولايات المتحدة، وجاء المنع بصيغة مؤقتة، ولا نعرف بعد مصير الجدار.
ويقع الوعد الانتخابي الجذاب أحياناً بصورة حصرية على فئة واحدة من الناخبين، شأن الوعد الذي اطلقه بنوا هامون في التمهيديات، إذ أكد على وجوب السماح بتجارة حشيشة الكيف في فرنسا قانونياً، وتلك بشرى سارة «للمحششين» الفرنسيين، ولزوار بلادهم الكثر. ويقدر حجم هذه التجارة بمئات الملايين من اليوروهات، إن لم يكن أكثر بكثير، ويمكننا العثور على وعود من هذا القبيل في بلدان ديمقراطية أخرى لو أردنا الإحاطة بهذه الظاهرة من كل أبوابها.
ثمة تزامن بين هذه الوعود «الديماغوجية» وشيخوخة «الاستبلشمانت» في العديد من الدول الغربية. ففي فرنسا نجح فرانسوا فيون في تمهيديات اليمين المعتدل لأن الناخبين ما كانوا راغبين في التجديد ل«نيكولا ساركوزي»، ورفعوا شعارهم الشهير «أياً كان» أفضل من ساركوزي، وانطبق الأمر على المرشح الديغولي الآن جوبيه الذي ينتمي إلى «الاستبلشمانت». ووقع ما يشبه ذلك في الحزب الاشتراكي، الذي تراجع زعيمه فرانسوا هولاند عن الترشح بعد فشله الذريع في الحكم على كل صعيد، وهزم وزيره الأول مانويل فالس في الدورة الثانية لتمهيديات اليسار، لأنه هو الآخر ينتمي إلى «الاستبلشمانت» فقد عمل في وزارات سابقة وتولى رئاسة الوزراء في عهد هولاند الجاري.
الغضب ضد «الاستبلشمات» عايناه أيضاً في بريطانيا، التي خرجت من الاتحاد الأوروبي ضد رغبة الدولة العميقة، وفي الولايات المتحدة أيضاً، حيث فاز ترامب على الضد من رغبة وسائل الإعلام والحزب الجمهوري، وكان يمكن لبرني ساندرز أن يفوز هو الآخر ضد بيروقراطية الحزب الديمقراطي. وكاد اليمين المتطرف النمساوي يفوز بالرئاسة في فيينا. وليس من المستبعد أن تحقق مارين لوبن مرشحة اليمين المتطرف نتائج باهرة في فرنسا.
ظاهرة «الاستهبال الديمقراطي»، إذا جازت التسمية، ليست مستجدة، فقد وقعت في ثلاثينات القرن الماضي حين اختار الناخبون في ألمانيا نظاما نازياً، تسبب بحرب عالمية مدمرة، حصدت ملايين البشر، وتسببت في إيطاليا أيضاً بصعود نظام فاشي، كان شريكاً لهتلر في حربه الهمجية. وكان الشعور بالضعف والإهانة من بين أهم الأسباب التي أدت إلى صعود الفاشية والنازية إلى سدة الحكم بوسائل ديماغوجية، وباستهبال الناخبين. واليوم يتكرر الحال تقريباً في الولايات المتحدة التي اختارت رجلاً نزقاً للرئاسة، وعدها بتحويل الضعف الأمريكي بعد حربي العراق وأفغانستان، إلى قوة مستجدة تستأنف السيطرة على العالم وتقهر التحدي الصيني..الخ.
وبخلاف الشائع عن الأخلاق الرفيعة في الخطاب الديمقراطي، فإن «الديماغوجية» والكذب والتآمر، تكاد تكون جزءاً بنيوياً في سلوك الديمقراطيات الغربية التي وعدت العرب بالوحدة والازدهار إن خرجوا من السلطنة العثمانية، فكان أن قسمت بلادهم إلى دويلات متنازعة، وزرع «الكيان الصهيوني» في وسطها. ووعدت واشنطن العراقيين والليبيين بالديمقراطية، فإذا بالبلدين النفطيين ساحة معارك لا متناهية، وقتال طائفي، وإثني وجهوي لا يني يدمر المدمر، ويجزئ المجزأ. وكانت الكولونيالية الفرنسية احتلت الجزائر في القرن التاسع عشر وفق وعد بنشر الديمقراطية، فإذا بالمستعمر يمنع أهل البلاد الأصليين من حق الانتخاب.
وإذا كان «الاستهبال» والديماغوجية من المكونات السيئة في الخطاب الديمقراطي، فان اللجوء إليهما شائع في الحملات الانتخابية على نطاق واسع، حتى صارا من طبيعة تلك الحملات، كأن يقال «هذه وعود انتخابية»، أي لن يؤخذ بها عندما يتولى المنتخب الحكم، بكلام آخر هذه أكاذيب استخدمت لخداع الرأي العام الذي رضي ب«الاستهبال»، أي الكذب وبالعودة عنه مرة أخرى. لكن رغم ذلك يمكن القول ألف مرة ديمقراطية كاذبة، ولا مرة واحدة حكومات قاتلة، وصادقة في تطبيق سياساتها الوحشية – See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7780128c-535b-4eee-a16e-4852115b4871#sthash.8CcEMUWe.dpuf

 

 

دبلوماسية الاميرال “كوزنتسوف ” ..مقالي الاسبوعي

 

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/69937e28-4209-4944-ac4d-ff00ab24a86b

فيصل جلول

عرفت المياه الاقليمية الليبية  قبل اسبوعين، حدثا لا يقع الا مرة واحدة خلال عقود طويلة، فقد انتقلت حاملة الطائرات الروسية الاميرال “كوزنتسوف” من الشواطيء السورية الى الشواطيء الليبية، واستقبلت الجنرال الليبي الصاعد خليفة حفتر على متنها، واتاحت له حوارا بواسطة “الفيدوكونفرانس” مع وزير الدفاع الروسي سيرغاي شويغو.

لا تحمل هذه  الزيارة معنى مجاملا، شأنها شأن زيارات حفتر السابقة الى العاصمة الروسية، بل تفيد انباء متواترة  ان فلاديمير بوتين قرر الانخراط في الازمة الليبية والرهان على مركز قوة مهم بين مراكز القوى المتنازعة في هذا البلد.

نتبين ذلك ايضا من اهتمام وسائل الاعلام الروسية الواسع بزيارات قائد الجيش الليبي الى موسكو فضلا عن زيارته للاميرال ” كوزنتسوف ” وهناك من يعتقد ان موسكو قد اختارت التحالف مع الجنرال الليبي او على الاقل الرهان على الجيش الليبي من اجل حل الازمة،  وليس على  حكومة السراج التي تستقر في طرابلس  وتحظى باعتراف رسمي من الحكومة الروسية التي يبدوانها لن تطعن باعترافها الرسمي بالحكومةالمزكورة وانما العمل في ليبيا على  هامش هذا الاعتراف، كما تفعل دول اخرى  ومن بينها فرنسا التي تؤيد رسميا حكومة طرابلس لكن العالم فوجيء بمقتل ثلاثة من الجنود الفرنسيين في طائرة مروحية تابعة للجنرال حفتر، كانت تنفذ مهمة في اطار مكافحة الارهاب  في شرق ليبيا.

يفصح سياق الاتصالات الروسية مع الجنرال خليفة حفترعن تغيير اساسي في السياسة الخارجية الروسية تجاه ليبيا والمتوسط وافريقيا يمكن حصره في النقاط التالية :

اولا: يطوي هذا التحرك صفحة الموقف الروسي من قرار مجلس الامن رقم 1973 بتاريخ 2011 الذي اجاز انشاء مناطق حظر جوية سرعان ما استخدمها الحلف الاطلسي لشن حرب طاحنة على النظام الليبي بزعامة  العقيد الراحل معمر القذافي. معلوم ان  الموافقة على هذا القرار، قد تمت في حينه من طرف الرئيس ديمتري ميدفيديف، الذي اتسمت سياسته تجاه القوى الغربية بالتساهل، ومعلوم ايضا ان هذا الموقف لم ينل في حينه موافقة بوتين الذي كان رئيسا للوزراء بل قيل حينذاك ان الرجلين اختلفا علنا حول هذه المسألة.

ان انتقال روسيا من موقف الشريك في قرار مجلس الامن المذكور اعلاه،  والعمل بما لا يرضي الحكومة الليبية التي تعتبر امتدادا لذلك القرار، وهي المعترف بها دوليا، هذا الانتقال يعني ان موسكو صارت لاعبا مهما في ليبيا يجب ان يؤخذ بالحسبان من الان فصاعدا.

ثانيا : يزيد الموقف الروسي قوة حفتر على الارض  ويتيح له منبرا دوليا بعد ان حظي بدعم الجيش وقسم كبير من القبائل واشرافه على الشرق الليبي، فضلا عن قسم من الجنوب ونجاحه في تطهير مناطق تواجده من الارهاب، ناهيك عن اشرافه على موانيء تصدير النفط، هذا اذا اردنا اغفال التاييد الذي يتلقاه من مصر والامارات وتشاد فضلا عن لقاءاته في الجزائر واتصالاته بتونس والمغرب.

من جهة ثانية يحتفظ حفتر بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة الامريكية  منذ العام1987 حين تم اسره في تشاد واقتيد من بعد الى الولايات المتحدة  مع قسم من جنوده، وتولت وكالة المخابرات المركزية  الاشراف على انشطته، ما يعني انه قادر على الجمع بين تاييد الطرفين الروسي والامريكي.

ثالثا: يوحي التوسع الروسي باتجاه ليبيا ان فلاديمير بوتين يريد التمدد في المتوسط وربما يطمح الى  الافادة من قاعدة عسكرية في ليبيا ،تضاف الى  الوجود العسكري في الساحل السوري وهذا امر في غاية الاهمية، لان الشواطيء الليبية تبعد اقل من 300 كلم عن الحدود الاوروبية.

رابعا : يضمر الرهان على ليبيا محاولة جديدة للعودة الى افريقيا وبالتالي استعادة النفوذ  الذي تراجع منذ الفترة السوفيتية واذا كان صحيحا ان ليبيا ليست دولة محورية في افريقيا، فالصحيح ايضا انهاتملك الوسائل التي تتيح لها ان تلعب دورا في القارة السمراء على غرار الدور الذي كان يلعبه العقيد الليبي الراحل.

خامسا: اذا اتيح  لروسيا الافادة من تراجع الولايات المتحدة الامريكية واوروبا في العالم العربي وبالتالي التقدم في اكثر من موقع وبلد عربي، فان حاصل هذا التقدم يمكن ان يساعد الروس على لعب دور مهم في الصراع العربي الاسرائيلي خصوصا ان موسكو تتمتع بنفوذ كبير داخل الكيان الصهيوني، سواء عبر اليهود الروس، او عبر العلاقة  التاريخية العميقة بين الطرفين، ذلك ان موسكو كانت من اوائل العواصم التي اعترفت بالدولة العبرية وعبرت مرارا عن تمسكها بامن الكيان الصهيوني .

في هذا السياق لا يمكن ان نغفل الافضليات الاقتصادية التي من المحتمل ان تحققها روسيا جراء تاييدها لطرف قد يربح  التنافس على السلطة وذلك لجهة العقود النفطية  المحتملة او لجهة صفقات الاسلحة خصوصا ان الجيش الروسي كان مبنيا على الطريقة السوفيتية ويستخدم الاسلحة الروسية في القسم الاعظم من قطاعاته ويضاف الى ذلك حاجة ليبيا الى اعادة بناء ما خربته الحرب. وتنتشر شائعات  غير مؤكدة حول عقود جرى توقيعها ومن بينها عقد لانشاء خطوط للسكك الحديدية  غير ان احد لم يؤكد هذه الشائعات من الطرفين المعنيين.

يفيد ما سبق ان الرهان الروسي على لعب دور في الازمة الليبية يزداد جدية يوما بعد والواضح ان نجاح الروس في سوريا بات مغريا لهم ولمن يرغب في شراكتهم في العالم العربي وافريقيا وان تم لهم ذلك يمكن ان يحلم فلاديمير بوتين باستئناف دور بلاده الاممي في كل مكان وليس فقط في الشرق الاوسط..

انتهى

 

 

 

حنين فرنسي نحو روبسبيير وسان جوست..مقالي الاسبوعي

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/4639a48a-23be-4f5a-983f-755487e2dd55

فيصل جلول

يكثر الفرنسيون من استخدام المنهج المقارن في حياتهم اليومية، في احاديثهم وتعليقاتهم السوداوية،.وفي هذه الايام حيث التهميديات الرئاسية على اشدها، يستحضر راديكاليون ظروف واجواء عشية الثورة البرجوازية عام 1789  لمقارنتها مع الاجواء الراهنة. ويستدعون اسماء ورموزا ثورية من تلك الفترة طافت شهرتها انحاء العالم، لمطابقتها مع  اسماء جديرة بادوار ثورية مشابهة اليوم. نعم ثمة من يبحث هذه الايام عن روبسبيير الالفية الثالثة وسان جوست ومارا وغيرهم من التيار الارهابي اليعاقبي الذي مارس الترهيب الثوري في  فرنسا القرن الثامن عشر.

و لا يصاب المرء بالدهشة عندما يلاحظ ان الراديكاليين لا ياتون على ذكر دانتون وهو ايضا ثوري لكنه معتدل وفقد راسه في حكم اصدرته محكمة روبيسبيير لانه ليس ثوريا بما فيه الكفاية بل “متواطيء” مع خصوم الثورة الى غير ذلك من الحجج ” الداعشية ” بمقاييس زمننا.

اما لماذا  استحضار رموز ” الارهاب ” و”الحزب الدموي”  بحسب اوصاف نقاد الثورة البورجوازية ، فالسبب يعود لاجتماع ظروف فوضوية ومشاكل متعددة اجتماعية واقتصادية وانكفاء داخلي وعنصرية منفلتة من عقالها وهبوط ملايين الفقراء الى ما دون خط الفقر، فضلا عن فساد الطبقة السياسية يمينا ويسارا ،وعن برامج حكم لا  يصدقها احد، ورشاوي من كل صوب وفي كل اتجاه .. الخ .

هذه الاجواء تختصرها رسالة واسعة الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، وجهتها ممرضة فرنسية شابة، الى المرشح اليميني للرئاسة فرانسوا فيون المتهم باساءة استخدام الاموال العامة وتعيين افراد اسرته موظفين وهميين في مكاتبه في الدولة ، تخاطبه الممرضة قائلة “..راتبك من اموالنا نحن المكلفين منذ ان بدأت حياتك السياسية عام 1976  حتى الان، لماذا علي ان اعمل 12 ساعة و 3 ويك اند في الشهر وان اسهر 10 ليالي لكي يصل راتبي الى اقل من الفي يورو” في حين انت تعين اولادك وزوجتك في وظائف وهمية ويقبضون اضعاف اضعاف راتبي.  واضافت ” لقد علمت بالامس انك استثمرت بمبلغ 1000 يورو في شركة استشارات وحصلت على فوائد بقيمة مليون و500 الف يورو.” وختمت بقولها “..عندما استعيد سيرة عائلات جيسكار وميتران وشيراك وساركوزي وهولاند وفالس وفيون الذين قادوا فرنسا الى ” الغائط” الراهن حيث يوجد 8 ملايين عاطل عن  العمل ومثلهم من الفقراء ، تنتابني  الرغبة بالتقيؤ.وعندما استعيد الفضائح السياسية  والفضائح الصحية وغيرها التي ضربت بلادنا فانني افقد تماما الرغبة في الاقتراع  لانهم كلهم سواء في العفن ” ودائما بحسب الممرضة الثلاثينية.

كان يمكن لهذه الرسالة ان تكون هامشية لو لم تتقلفها وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها الى ظاهرة تتداولها الاف المواقع في وقت قياسي، ما يعني ان حجم المعاناة  والغضب ازاء الطبقة السياسية الفرنسية يكبر ككرة الثلج ويتفاقم مع تعذر الحلول ومع  وتيرة المواقف البهلوانية للساسة الفرنسيين.

وهنا تتعدد الامثلة  فالمرشح اليميني فرانسوا فيون الذي  فاز بصورة مفاجئة في تمهيديات اليمين المعتدل للترشح للرئاسة في الربيع القادم ، طرح نفسه بوصفه رمزا للطهارة  ومثالا يحتذى في الحفاظ على الاموال العامة وفي السعي لمكافحة الفساد ، قبل ان تكشف وسائل الاعلام عن تورطه في توظيف افراد من اسرته في وظائف وهمية وفي اعطاء ميدالية رسمية لاحد رجال الاعمال لقاء توظيف زوجته في وظيفة شبه وهمية في مجلة يملكها.

واذ تشتد الفضائح وتنتشر حول فرضيات اساءة الائتمان من حوله ، لا يعبأ فيون بالمنشور ، ويصر على مواصلة حملته الانتخابية وكانه يقول لمتهميه وللاعلام ، ساستمر في الترشح رغم انوفكم، ولا يتردد في الحديث عن مؤامرة تستهدفه، وذلك في موقف هو الاول من نوعه في الحياة السياسية الفرنسية في عهد الجمهورية الخامسة.

بالمقابل بادرت فاليري

تريفاوليار، رفيقة الرئيس فرانسوا هولاند الاشتراكي، بالكشف عن الوجه المتعالي لرئيس الفقراء المفترضين، الذي كان يسخر منهم في جلساته الخاصة بوصفهم ب “بلا اضراس ” ، و يصر على تناول الاطعمة النادرة  والمرتفعة الثمن التي لا يحلم الفقراء بتذوقها ومن بينها، نوع من البطاطا التي تحمل اسم “نوار موتون ” والتي تزرع في الرمال على شواطيء مالحة ويعادل ثمنها ثمن اللحوم.

لا يقتصر نفاق الطبقة السياسية على المثالين المذكورين، ففي العهود الماضية لم يخرج من الحكم، مسؤول كبير واحد منزها عن خيانة الذين انتخبوه ، وفي لائحة المرشحين للرئاسة اليوم يكاد التساوي ان يشمل الجميع في اعتماد الديماغوجيا، والاكثار من الوعود الانتخابية الكاذبة او الوهمية ، والتورط في قضايا فساد ، ناهيك عن تراجع الكاريسما عند الجميع تقريبا ، وارتفاع اسهم اليمين المتطرف  واليسار المتشدد  ، الامر الذي يؤدي بالضرورة الى تراجع الثقة  لدى الناخب بسياسييه، والناي بنفسه بعيدا عن صناديق الاقتراع .

وبالعودة الى مطلع المقال اشير الى ان الظروف الضاغطة المتشكلة من كوكتكيل كبير من الفشل والفساد والبطالة وانحسار الارادة والامل ناهيك عن الفوضى والخوف من الارهاب ، كل ذلك يخلق ظروفا مناسبة للثورة  وقد راينا بعض من طلائعها في اعتصامات الخريف الماضي في الليالي البيضاء في الساحات العامة وقدنرى  المزيد في المستقبل  الامر الذي يفسر انتشار اسماء روبسبيير وسان جوست ومارا وغيرهم من راديكاليي ثورة العام 1789 ، الذين قالوا ان الفساد يتطهر بالدم  فقط وهذا ما يشبه خطاب  “داعش” اليوم..

انتهى.

السفير .. اسئلة النشؤ والمغامرة والغياب

فيصل جلول  

كتبت في “السفير” ما احبه من النصوص في مجالات مختلفة في اواخر السبعينات ومطالع الثمانينات من القرن الماضي، وحملت بطاقتها دون ان اكون موظفا فيها،ما يعكس ارتباطا شديد الخصوصية لم الاحظ ما يشبهه في صحف لبنانية اخرى.  اعيد نشر هذه     هذه المقالة  بمناسبة غياب السفير على صفحتي  وبصيغتها الاصلية والكاملة، فقد حاولت ان اجيب من خلالها عن الاسئلة الخمسة  التي يعتمدها  مهنيو التحرير الكلاسيكي ما دام الامر يتصل بتجربة صحفية غنية على كل صعيد.

من ؟  الصحيفة تشبه الى حد التطابق مديرها.تولد  في راسه يتخيلها اولا ومن ثم يرسمها على الورق ويخرجها وياتي بالطاقم الذي يراه مفيدا لها، بل يتخيل كل عدد من اعدادها بالقياس الى صورتها الاساسية الاولى التي يتم تعديلها على اصولها. “السفير” هي امتداد لطلال سلمان بوسائل اخرى اذا ما جاز لي ” تحوير” مقولة كلاوزفيتز. فهي ولدت في الحرب وتطوي اخر اعدادها في الحرب وبين هذه وتلك حروب محلية واقليمية وعربية خاضتها صحيفة طلال سلمان بجدارة واستخدمت خلالها كل انواع الاسلحة. اصابت واصيبت  لكنها “لم ترفع الراية البيضاء”  وهذا يطابق مانشيتها الشهير في الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 ” بيروت تحترق ولا ترفع الراية البيضاء” .

لست افضل من يروي سيرة مؤسس “السفير” و لا اعرف عنه تفاصيل شخصية كافية مثيرة لشهية الفضوليين.لكن الاساسي في هويته انه ينتمي الى عائلة متواضعة، وتبين سيرته المهنية كيف اجتاز مسيرة الالف ميل، من مصحح الى محرر الى سكريتير تحرير الى مدير تحرير الى صاحب ومؤسس الصحيفة اليسارية والقومية العربية الاولى في لبنان خلال اقل من نصف قرن بقليل، ومن بين الاهم في العالم العربي. بدايته المهنية والسياسية طبعت مسيرته حتى العدد الاخير من “السفير”، فقد فتح عينيه على سنوات الجمر  الناصرية والفلسطينية  والجزائرية واليمنية والليبية…الخ . واحترف الصحافة في وسائل اعلام هذا التيار. كانت مقالاته تقرأ في اسبوعية ” الحرية ” القومية ثم الشيوعية  وتناقش في خلايا وحلقات التيار القومي العربي ومن ثم الماركسي..

يتحدث  بهدؤ. يرتب عباراته الاقرب الى الفصحى ويختصرها. يتمتع بروح دعابة يختلف وقعها باختلاف مخاطبيه. فاجأنا ذات يوم في مكتب جوزف سماحة الذي عاد للتو للعمل في الصحيفة فبادرني مبتسما بالقول الم تلاحظ اننا ” طرشنا” اي ” دهنا” المبنى حتى يليق بصاحبك ..بروح الدعابة السوداء كان يعلق على ختام اجتماعات سياسية من الدرجة الاولى تعقد في مكتبه ويليها تشكيل حكومات او تعيين وزراء واتخاذ قرارات وطنية حاسمة حتى ان رئيس وزراء شهير امتنع عن مغادرة مكتبه في السفير قبل ان يطمئن الى طريقة تعاطي الصحيفة مع استقالته. في مثل هذه اللحظات كانت الصحيفة تبدو مركزا لقرار اساسي في شؤون  لبنان وفي لحظات اخرى لبعض شؤون العالم العربي …وبروح الدعابة نفسها كان يختم رايا سلبيا  بهذا الزعيم السياسي او ذاك ..ولعله يروي يوما تفاصيل علاقته مع ابي عمار منذ ان التقاه قبل  تاسيس السفير عام 1968 ونشر ذلك في كتاب مستقل.. الى  وداع عرفات في جريدة السفير قبل  رحيله من لبنان عام  1982 .

ماذا؟

قلت للتو ان جريدة السفير لعبت ادوارا حاسمة في مصير عدد من القضايا اللبنانية والعربية . انتشرت على صفحاتها اثار وافعال الثورة الفلسطينية في لبنان والعالم. منها كانت تنطلق خطب الثورة ومواقفها وتحالفاتها وصراعاتها الداخلية وعداواتها وانشطتها النضالية وعلى صفحات السفير سجلت اخر مراحلها اللبنانية، بل اطلق ياسر عرفات تنهيدته اللبنانية  الاخيرة في الطابق السادس من مبنى  الصحيفة في مشهد مؤثر .

في السياق نفسه  يمكن القول ان الحركة الوطنية اللبنانية ولدت وترعرعت على صفحات السفير وعندما ارادت ان تستقل عنها عبر تاسيس جريدة خاصة بها منيت بفشل ذريع  وعادت ادراجها الى  شارع منيمنة.

وفي السفير اطلق اية الله الخميني ابتسامته الوحيدة المنشورة في صورة عالمية لدى استقباله ياسر عرفات. في هذه الصحيفة كان يمكن لاحداث يناير عام 1986 في عدن او لانقلاب عمر البشير في الخرطوم او لاغتيال انور السادات  او لاقتحام جهيمان العتيبي الحرم المكي عام 1979 او لانقلاب زين العابدين بن علي في تونس او لمؤتمرات مدريد وجنيف ووادي عربة وكامب ديفيد ..الخ ان تتحول ليس فقط الى اخبار وعروض عابرة ونصوص وكالات  وانما ايضا الى مواضيع نقاش وسجال ومقالات مترجمة وعروض كتب وتعليق كاريكاتوري مبدع لناجي العلي في سياق مهني لا يقل اهمية عن صناعة الاعلام في دول متقدمة.

وكان للعلاقات اللبنانية السورية محطات على صفحات السفير بغالبيتها مبنية على مسلمات طلال سلمان العربية  وفي القليل منها غضب ساطع على الصحيفة ادى في احدى المرات الى  اقتحامها،  لكن الخط التحريري للجريدة لم يبن يوما على قاعدة لبنانوية ضيقة ومعزولة او مناهضة لسوريا.

اما الحدث اللبناني فكان في هرم اهتمامات الصحيفة يطغى تماما حين ينبغي وفق سلم  اولوياتها ويتراجع الى هامش يومي في وقت اخر ولو كان  يحلق على صفحات غيرها من الصحف اللبنانية في القمة. اذكر ان 17  تحقيقا على صفحتها الاولى في تموز عام 1983  حول الضاحية الجنوبية باشرافي المتواضع كانت كافية لانقاذ مئات الاف من الفقراء اللبنانيين من التشرد وافشال خطة لبنانية دولية محكمة لتفكيك احيائهم واجبارهم على العودة الى قراهم.

والثابت ان المقاومة التعددية اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي كما المقاومة الاسلامية من بعد كانت السفير رئتها وسط حملات صحافية محلية واجنبية مناهضة ووسط ضغوط على الصحيفة  واغراءات  لا تقاوم .

على صفحات السفير وحدها كان يمكن تعريف  الهزيمة الاسرائيلية عام 2000 في جنوب لبنان كما ينبغي ان تفسر ففي حين كان منافسو الصحيفة يعتبرون ان لا نصر في جنوب لبنان وان مجمل ماوقع هو تنفيذ اسرائيلي لمخطط انسحاب  مبرمج سلفا، اطلقت السفير  العنان لنقاش واسع حول اثار الهزيمة الصهيونية الاولى  ونتائج الانتصار  اللبناني التاريخي على الدولة العبرية وسيتكرر الامر عام 2006

وما بينهما من انشطار لبناني بين 14 و8 اذار.

في السفير كان يمكن التعرف دائما على الراي المختلف  في السينما والمسرح والرواية والبحث وكان يمكن لاي كتاب محاصر ان يتنفس على صفحاتها، ولأية وجهة نظر جديرة ان تنشر وتحترم بغض النظر عن طبقة كاتبها واصوله الاجتماعية بل يمكن القول ان صفحات الثقافة والراي فيها كانت مصنعا خرجت منه مغامرات ادبية وثقافية وفكرية مازال كثير من اصحابها شهودا على تلك الفترة.

تبقى اشارة الى  ان السفير حطمت  الحواجز والشروط القاسية للارتقاء الصحافي . وعليه كان يمكن لوافد عربي يجيد الترجمة  والتحرير الاولي ان  يتدرج على صفحاتها دون صعوبات تذكر وان يصبح من بعد صحافيا مشهورا في العالم العربي بل مالك صحيفة وكان يمكن لرجالات كثر ان ينطلقوا منها ليجمعوا من بعد حيثيات في مجالات مختلفة بل يتحول بعضهم الى سياسيين ووزارء ونواب وقادة من كل الطوائف ومن كل الانتماءات ومن معظم الجنسيات العربية..

وان كان يصعب حصر العالم الذي بنته السفير في مثل هذه العجالة فان بعض المؤشرات الواردة تفصح عنه وربما تجذب اخرين ذات يوم لسبر اغواره.

اين؟

نشأت  في لبنان وهو البلد العربي الاهم بعد مصر في صناعة الاعلام لكنها كسرت تراتبية صحافية صارمة ما كانت تتيح انبثاق قطب جديد بفريق اعلامي جديد وبوسائل تقنية جديدة. شعارها الشهير ” صوت الذين لا صوت لهم ” كان من السهل التحقق منه  عبر  مادتها الاعلامية وعبر كاريكاتورها الخلاق وافتتاحيات رئيس تحريرها او صحافيها البارزين وعبر مراكز توزيعها.. لقد خلق نجاح السفير ثنائية قطبية في الصحافة اللبنانية اثرت الفضاء الاعلامي والمعرفي كما ساهمت في تأطير الصراعات  داخل لبنان وكانت متقدمة على غيرها في التاثير على قضايا مهمة في العالم العربي وبخاصة مشرقه.

متى؟

ولدت  السفير عام 1974 قبيل الحرب الاهلية اللبنانية لتواكب مرحلة جديدة في الصراع العربي الاسرائيلي ولتعبر عن جبهة رفض عربية واسعة للاستسلام  . قبل ولادتها كانت الصحافة العروبية في لبنان امتدادا للسياسة الناصرية بل الناطق الابرز باسمها وكان من الطبيعي ان تتلقى ضربة قاسمة في هزيمة العام 1967 بل اعتبرت مسؤولة و شريكة اساسية في  الهزيمة. وسدد غياب الرئيس جمال عبد الناصر ضربة قاسية لتلك الصحف التي التحق بعضها  فيما بعد بالسياسة الساداتية وانقلبت على ذاتها وبالتالي خلا المسرح الاعلامي اللبناني من صحيفة عروبية تقدمية.

في هذا الوقت نشات السفير لتعبر عن تيار عربي ولبناني صاعد “تقدمي” متنوع المشارب بين الجيفارية والناصرية النقدية مرورا بالقومية السورية وكان يمكن لليبراليين ومناهضين للعروبة والاسلام التعبير عن ارائهم على صفحاتها في سجالات شهيرة ومعروفة في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم ومطالع الالفية الثالثة .

لماذا؟

يمكن لطلال سلمان وحده ان يجيب عن هذا السؤال و ان يشرح الاسباب التقنية لوضع حد لمغامرته الصحافية الناجحة. الراجح عندي ان ثلاثة اسباب كبيرة ادت الى هذه الخاتمة  اولها ناجم عن الثورة المعلوماتية  وانتشار وسائل التعبير والتواصل الاجتماعي التي اضعفت السلطة الرابعة في كل مكان في العالم واضعفت الحاجة الى صحف ورقية مطبوعة. صحف عالمية كثيرة اغلقت وتحولت الى الشبكة العنكبوتية. السبب الثاني يتعلق ببنية السفير ومنهج التحرير فيها وهو يستجيب لشروط صدور في ظروف مختلفة ولعل كلفة اصدارها ما عادت تتناسب مع تاثيرها وانتشارها ونفوذها  وبالتالي ما عادت وسائلها متناسبة مع موقعها ودورها. والسبب الثالث يتصل بتعذر نقلها من موقع الى موقع. لقد تمكنت السفير  من اعادة التموضع في لبنان بعد خروج المقاومة الفلسطينية وبدا انها غير قادرة على التموضع بعد  الانسحاب السوري والاستقطاب الحاد الذي خلفه واقفل هوامش المناورة امام الصحيفة. في هذا الوقت خرجت منها صحيفة “الاخبار” واحتلت الساحة شطرا مهما من الفضاء الذي اعتادت السفير ان تلعب فيه  فصار ينبغي ان تنافس “الاخبار” بشروطها.. وحرمها  تراجع “النهار”  من ثنائية قطبية  لبنانية كانت تشكل  سببا مهما من اسباب وجودها.. والواضح اليوم ان ثنائية الاخبار/ الجمهورية ترث ثنائية السفير/ والنهار في لبنان .

اكبر الظن ان طلال سلمان كان بوسعه ان  يختار غيابا اخر للسفير  عبر اغراقها باموال تحمل هوية مناقضة لتاريخها وسيرتها، ففضل  تغييبها حفظا لسيرتها.. كثيرون في هذه الاوقات يشعرون بالحزن لغياب السغير وكثيرون  ربما لا يعبأون بهذا الحدث وبعضهم ينتظر غيابها بفارغ الصبر هذا في بلد ينافق سياسيوه بشعارات الوطنية والحرية والتقدم ولو كانت هذه الشعارات تعني لهم الشيء الكثير ربما تدخلوا كما تدخلت دول تحترم نفسها لحماية صحفها الكبرى من الانهيار.

في جمهورية موز فقط كجمهورية الطائف يمكن لغياب صجيفة عملاقة من طراز السفير ان يمر مرور الكرام.

 

 

 

 

 

 

قرار اممي بين قوسين … مقالي الاسبوعي في جريدة الخليج

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/268d83bc-9561-43b4-b853-91af8396ba34

 

فيصل جلول

قدم القرار 2334  الصادر عن مجلس الامن الدولي ضد الاستيطان الصهيوني ، قدم بوصفه انتصارا تاريخيا للقضية الفلسطينية ، وبالغ ابعض في تعظيم هوية القرار جراء ردود الفعل السلبية التي اطلقها نتنياهو ومساعدوه ، والراجح ان هذا التعظيم سيستمر ليس لان القرار تاريخي بالفعل وانما بسبب ضيق هامش المناورة لدى السلطة الفلسطينية التي راهنت طويلا على ادارة اوباما بوصفها حمالة مشروع الدولتين فاذا بهذا العهد ينصرم ومعه هذا القرار فقط الذي يبدو وكانه ” فشة خلق” وابعد من ان يكون منعطفا على طريق مشروع الدولتين.

بداية يمكن حصر اهمية ال 2334 في عدد من النقاط  التي يمكن تلخيصها في البنود التالية :

اولا:يدعو الى وقف الاستيطان في الضفة والقدس .

ثانيا : يعتبر المستوطنات اليهودية في الاراضي المحتلة غير شرعية  وهي تضم من 300 الى 500 الف مستوطن فضلا عن حائط البراق الذي صار حائط المبكى الصهيوني كما لاحظ بنيامين نتنياهو.

ثالثا: يعتبر الاستيطان انتهاكا صارخا للقانون الدولي .

رابعا : ساهمت الولايات المتحدة الامريكية للمرة الاولى منذ العام 1979 في تمرير قرار مناهض للدولة العبرية بل هي ارادات هذا القرار ولو لم ترده لما خرج الى النور.

بالمقابل لا ينطوي القرار على  اجراءات تنفيذية ولا يدعو الى فرض عقوبات على الكيان الصهيوني  الامر الذي يجعل قيمته معنوية، ولو اردنا تعظيم ايجابياته أكثر لقلنا انه يتيح ملاحقة المنتوجات التي تصدر عن المستوطنات بوصفها غير شرعية ويمكن ملاحقة ساكني هذه المستوطنات  او عسكرييها واتهامهم بانتهاك القانون الدولي. كما يمكن للسلطة الوطنية الفلسطنية ان تبني عليها انتصارا معنويا لطالما انتظرته ، وليس بمستغرب ان يكون الرئيس  محمود عباس يخاطب مؤيديه في هذه الاوقات بالقول ان ما بعد القرار 2334  ليس كما قبله وبالتالي فهو يعطي الفلسطينيين حقا قانونيا لطالما انتظروه .

يهمل تعظيم القرار الاممي حقيقة صارخة وهي أن كل الادارات الامريكية  كانت تعتبر الاستيطان غير شرعي في الاراضي المحتلة عام 1967 ، وكانت كل الادارات الامريكية ترى ان تسوية الحدود بين الفلسطينيين والاسرائيليين امر يقرره الطرفان على طاولة المفاوضات ويهمل  تعظيم القرار  حقيقة صارخة اخرى  وهي ان اسرائيل حصلت في عهد اوباما على مساعدات امنية لم تحصل على مثلها من قبل لجهة الكم والنوع ، بل ربما هو ضرب من ضروب الانتقام من رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي  اقفل كل مساعي البحث في حل الدولتين الذي اعتبره اوباما رهان ولايتيه الاولى والثانية .

ويهمل تعظيم القرار حقيقة ان الادارة  الامريكية المقبلة قد تعوض الكيان الصهيوني بما يفوق الوصف، فقد وعد ترامب بتغيير سياسة بلاده  تجاه الامم المتحدة على خلفية هذا القرار، وانه قد عين سفيرا لبلاده في الدولة العبرية هو رئيسا فخريا لاحدى اهم المستوطنات في الاراضي الفلسطينية المحتلة، اضف الى ذلك ان ترامب وعد بنقل السفارة الاسرائيلية الى القدس التي اعلنتها الحكومة الصهيونية في قرار شهير عاصمة موحدة  الى الابد .

اذا كان صحيحا ان الادارة الامريكية المقبلة لن تتمكن من تغيير  قرار مجلس الامن حول الاستيطان ” فالصحيح ايضا ان بوسعها ان تقفل كل ابواب تطبيقه وان تمنع ما يمكن ان يبنى عليه، وان تضغط على السلطة الفلسطينية حتى  لا تبادر الى الافادة من القرار  وبالتالي تقديم مسؤولين اسرائيلين امام المحاكم الدولية، والملفت في هذا الصدد ان  نتنياهو يلوح مستندا الى  الادارة الامريكية القادمة , بمعاقبة الامم المتحدة  تارة بقطع مساعدات عن منظمات اممية تمولها وتارة اخرى بوقف التعاون او تجميده في مجالات تشترك فيها مع المنظمة الدولية .

الملفت في ردود الفعل الصهيونية ان تل ابيب تستفيد الى حد بعيد من الضعف الشديد الذي اصاب البيئة المحيطة بها خلال السنوات الخمس الماضية، لتقدم نفسها الى الغرب بوصفها القوة الاهم والابرز في الشرق الاوسط ان على الدول الغربية ان تنظر اليها من هذا الموقع  ولعل هذا ما يفسر تسلل نتنياهو  الى الكونغرس الامريكي والقاء خطيب امامه رغم انف اوباما وهذا مايفسر ايضا تجرؤ رئيس الوزراء الصهيوني على الغاء مقابلات  مبرمجة سلفا مع مسؤولين في دول صوتت لصالح القرار 2334 .

بفضي ما سبق الى خلاصة  مفادها ان الدولة العبرية  التي تضررت بالتاكيد من القرار الاممي ضد الاستيطان ، تستعد ليس فقط لابطال مفاعليه وانما ايضا الى  بناء استراتيجية  جديدة في التعاطي مع المسالة الفلسطينية خارج مشروع الدولتين. فهذا المشروع ولد في ظل موزاين قوى اقليمية  ماعادت قائمة  منذ اكثر من خمس سنوات  وفي ظب موازين دولية  مختلفة بل نموذجية لصالح التشدد الصهيوني  ليس فقط في امريكا وانما في  اوروبا ايضا البتي ترى اليوم ان الارهاب الذي يضرب مدنها يستدعي رص الصفوف مع الصهاينة  وتدعيم موقعهم في الشرق الاوسط كقوة حاسمة  وبالتالي قطع الطريق على  كل ما يضير حكومتهم ويعرقل خططها وعليه  يجب الا نستغرب قرارات اسرائيلية جديدة  بزيادة الاستيطان ودفعه خطوات الى الامام .

في السياق نفسه لا بد من التذكير بان قرارات مجلس الامن  تعكس عموما ميزان القوى على الارض بين الاطراف المتصارعة الا ان القرار الاخير هو مع الاسف في احد وجوهه تصفية حساب بين اوباما ونتنياهو  وهو بهذا المعنى قرار بين قوسين وقد لايكون له ما بعد.

انتهى